أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

48

التوحيد

مسألة [ معنى قول الكعبي في أن أفعال اللّه تعالى باختيار على مذهبه ] وقال الكعبي : أفعال اللّه باختيار ؛ لأن المطبوع يكون فعله نوعا . قال أبو منصور رحمه اللّه : وما قاله حسن ، وذلك مذهب أهل التوحيد ، لكنه لا معنى له على مذهبه ؛ لما يقال الخلق اختياره أو غيره ، وكذلك ما يقال في أفعاله . فإن قال : اختياره ، فمعنى أفعاله إذا اختياره . فالقول بأن أفعال اللّه باختيار خطأ ، بل هو اختيار ولا غير هنالك ليقال الذي قال . وإن قال : غير ، فإما أن يكون فعله ، فيجب أن يكون باختيار إلى ما لا نهاية له ، وذلك محال ؛ لأن الخلق متناه ، أو هو فعل بلا اختيار ، فيبطل قوله . وذلك يلزم من يصف اللّه بالإرادة في الأزل ، وهي اختيار كون شيء في وقته . ثم الدلالة عندنا على الاختيار خروج الخلق على تفاوت مائيّته ، على ما فيه من الحكمة ، والدلالة على وحدانية اللّه ، فدل ذلك على اختيار كون كل شيء على ما هو عليه ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم من يقول بخروج الخلق على ما عليه بالطبائع والأغذية ، ومن يقول : ذلك عمل النجم والشمس والقمر ، ومن يقول : ذلك بدوران الفلك ، ومن يقول في التوالد بتدبير الآباء والأمّهات ، يرجع كله إلى كون شيء بشيء ، إذا لم يثبت له أوليّة يبطل بالأدلة التي مرّ ذكرها ، وإذا ثبت له أو لكل جنس من ذلك أوليّة ، ثم استحال كونه بنفسه ؛ لما يوجد نفسه إمّا حين عدمه ، وذلك محال أن يوجد عديما ، مع ما إذ رجع إليه تدبير كل شيء لا يحتمل أن يبلغه العديم ، فإنه لو جاز أن يوجد نفسه لجاز في ذلك الوقت أن يعدمه ، وذلك متناقض ، أو بعد الوجود ، فثبت الوجود بغيره ، وباللّه التوفيق . وأيضا أن جميع ما يذكر إنما هو نوع الموات إلا من ذكر من الآباء والأمّهات مما يعلمون أن تدبيرهم لا يبلغ مبادى الأولاد ، وأنهم يكونون على غير ما يأملون ، وأنهم لو فسدوا لا يمكن إصلاحهم ، وأن وسعهم لا يبلغ ما استتر من الأشياء فضلا من تقديرها هنالك ، وغير ذلك من الوجوه التي بطل كون ذلك بهم . ونوع الموات غير عالم بما فيه من المنافع ، ولا بالذي يحتمل منهم منع ذلك ، ثبت أن الذي يكون