أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

44

التوحيد

الخلق من التغيّر والزوال ، فمثله في حقيقة الفعل والكلام على ما قال إبراهيم : لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [ الأنعام : 76 ] ، ومن يكون على حال ثم على أخرى فهو من الآفلين بالتحقيق ، واللّه أعلم . واحتج بما يحفظ ، وقد يحفظ اللّه ، وقد يكون ذلك على حفظ حدوده ، وما اشتمل عليه الكلام ، وما يضاف إلى اللّه من الكلام بين الخلق ، فهو مجاز على الموافقة بما يعرف به الكلام الذي هو صفته ، وذلك كما ذكرنا من المجيء وغيره ، والعهد ونصر الرّب ونحو ذلك مما لا يحقق ذلك المعنى لذاته ، فمثله القرآن . وقد احتج بأنواع - هو من ذلك الوجه محدث مخلوق - من النسخ والسّور والآيات ونحو ذلك ، ومن ذلك الوجه لا يوصف اللّه به ، ثم رجع إلى أنه لو قيل : هو صفة الذات كالعلم ، فزعم أنه لا يقول له علم في الحقيقة . قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : وما قاله فاسد لأنه عورض بقوله صفة الذات ، فليقل به كما قلت في العالم بلا حقيقة ، كذا السمع ونحوه . ونحن قد بيّنا بحمد اللّه ما يكفي ذا العقل دونه . ثم عارض الكلام بالفعل ، ولا فرق بينهما عند خصمه . ثم عارض بما لا يخلو في الشاهد : من يجوز منه الكلام يجوز منه خرس أو سكوت ، وقد أخطأ في السؤال : إنما هو من عجز أو سكوت . وعارض بالفعل ، وهو كذلك عند الخصم ، مع ما ذكر فيه الفعل والتّرك ، وما التّرك إلا الفعل ، لكن الحيرة تعمل به ما ذكر . ثم عارض بالصبيّ أنه ليس بأخرس ، وقد بيّنا أنه يعجز عن ذلك مع ما كان من عظم الجزئية أن لا يجد لنفسه مثلا يعرف به الرّب إلا الصبيان والمجانين ، ولا قوة إلّا باللّه . وأجاب لما عورض بما لا يخلو القادر ، مما له القدرة من فعل وكلام به في حال حدوث القدرة من فعل . وذلك جهل المعتزلة جعله دليلا فبورك له في توحيده الذي ذلك دليله . قال أبو منصور رحمه اللّه : والأصل في ذلك أن الوصف بالكلام والعلم والفعل الحمد عليه إنما هو وصف بالبراءة من الآفات والتعالي عن العيوب ، وهو كذلك في الأزل ، مع ما لو كان بغيره خالقا رحمانا متكلما يجوز أن يصير لا كذلك ، والقول بيا من ليس برحمن ولا رحيم ولا خالق قول ذمّ وإلحاق بغيره من الخلائق ، ثبت أنه بذاته رحمن رحيم خالق ، ولا قوة إلّا باللّه . على أنه لو كان يسمّى بما يحل في غيره ليجب أن يسمى بكل شيء يحل في غيره ، مع ما لو جاز ذلك لجاز أن يكون أحد يحتمل مثله في الشاهد ، وفي امتناع ذلك في محتمل التغيّر وصف له بالعلوّ عن ذلك ، واللّه الموفق . ثم قال : يريد بصفات أن لا يثبت ثمة غير ، ولم يرد أنها ذاته ، بل كل صفة