أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
43
التوحيد
بعباده . وإن أثبت معنى سوى ذلك فصارا غير خلقه ، بهما يوصف ، على أن قوله : يشتم ، كلام قبيح لا يوصف اللّه به . ثم يقال له : لم اعتبرت بالذي ذكرت في صفة الذات والفعل ؟ وقد رأيت صفات الذات مختلفة في الاستعمال من وجه الإثبات نحو أن يقال بالعلم في أشياء لا يوصف بالقدرة فيها ، وبالقدرة على أشياء لا يوصف بالسمع فيها ، وبالرؤية في أشياء لا يوصف بالكرم فيها ، وبالجود وبالحكمة في أشياء لا يوصف بالسمع لها ، ونحو ذلك مما يكثر الاختلاف به ، لم يجب بها الفرق بل هو الموصوف بها في الأزل . لم لا قلت كذلك في جميع ما يوصف به ؟ ؛ إذ هو يتعالى عن الاستحالة والفساد ؛ إنهما آيتان للحدث ، أمارتان للكون بعد أن لم يكن . وأيضا يقال له : رأيت الخلق أقساما ، يسمّى اللّه عندك ببعض الخلق ولا يسمّى ببعض ، ثم لم يدلّ على اختلاف في حق الصفة ، ما منع كذلك في أمر الصفات ؟ ، وباللّه التوفيق . قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : ثم قوله : ما يوصف بالقدرة عليه فليس من صفات الذات ، فهو عند خصمه لا يوصف بالقدرة على شيء من صفاته إلا على مجاز اللغة من إرادة المفعول في ذلك ، كما يسمّى ما يفعل بالأمر أمرا ونحو ذلك . وبعد ، فإنّا قد بيّنا اختلاف أحوال الصفات في التوسيع والتضييق في أشياء ، على الاتفاق في أنها صفات الذات ، فلنقل فيما ذكر كذلك . ثم من مذهبه أن اللّه تعالى كان غير خالق ولا رحمن ، وقدر على أن يجعل ذاته خالقا رحمانا ، ويجوز أن نعبد الرحمن الخالق ، فيكون على قوله قدر على أن يجعل للخلق معبودا ، وذلك اسم تقع عليه القدرة ، فيصير في الحقيقة يعبد غير اللّه . وهو أيضا من وجه هذه الأسماء محدث من حيث كانت مما تقع عليه القدرة . ثم يقال له : أيقدر اللّه أن لا يخلق الخلق ؟ فإن قال : لا ، صيّره خالقا بالضرورة أو بنفسه ، وبطل قوله ، وإن قال : يقدر ، فيلزمه أن يجعل غير المخلوق خلقا بوقوع القدرة عليه ، وفي ذلك إثبات قدم الخلق ، ولا قوة إلّا باللّه . واحتجّ في حدث الكلام بذكر الإتيان والمجيء ، وهو من ذلك الوجه محدث ، وقد بيّنا أن اللّه تعالى إذ وصف بالكلام - على تعاليه عن احتمال التغيّر والزوال - فمثله في صفة الكلام والفعل وما ذكرت . على أن اللّه قد أضاف المجيء إلى نفسه ، ثم لم يجب أنه حدث ، بل صرف إلى الوجه الذي يحق بالربوبية ، فمثله الأول . وكذلك وجب صرف الإتيان إلى الوجه الذي يحق بالربوبية ، لا إلى ما عرف به