أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

35

التوحيد

يستعمل في موضع نفي الموافقة في المعنى نحو أن يقال : " فلان واحد عصره وواحد قومه " على نفي أن يكون له فيهم نظير أو شبيه من الوجه الذي أريد ، وإن كانوا جميعا في تسمية الواحد شركاء . ولو كانت الموافقة في الاسم توجب التشابه لا يحتمل استعماله في موضع إرادة نفي الموافقة ، وكذلك نجد قول " كفر " و " إسلام " على تحقيق الاسم لكل واحد منهما والموافقة من حيث القول ، ولكن المعنى متناقض ، وكذا ذلك في الحركات والأفعال ونحو ذلك . ودليل إثبات القول بالشيء وجهان : أحدهما السمع من قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، ولو لم يكن هو شيئا لم ينف عنه شيئيّة الأشياء باسم الشيئيّة ؛ إذ الشيء في التحقيق خلاف ما لا يحتمل القول بالشيء ، وكذلك قوله : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ [ الأنعام : 19 ] ، فلو لم يكن يقع عليه اسم الشيء لكان لا يحتمل تضمّنه ذلك القول حتى ينسب إليه . وأما العقل فهو أن الشيئيّة اسم الإثبات لا غير في العرف ؛ إذ القول " بلا شيء " نفي إذا لم يرد به التصغير ، فثبت أنه اسم الإثبات ونفي التعطيل . فإن كان قوم لا يعرفون أن معنى " الشيء " الإثبات والخروج من التعطيل يتّقى عن ذلك بينهم ؛ كراهة أن يعتقد قلوبهم معنى مكروها ويقولون بالهستيّة ، فإنه أوضح في معنى الإثبات ، وإن كانا واحدا عند أهل العلم بهذا اللسان . مع ما كان القول " بلا شيء " يستعمل في نفي الحقيقة أو تصغير الثابت ، فثبت أن القول بالشيء إنما هو في إثبات الذات وتعظيمه ، واللّه حقيق لذلك . والقول " بلا جسم " لا يوجب واحدا منهما ، فكذلك القول " بالجسم " ليس فيه تثبيت واحد مما يحمد وجوده أو يعظّم ؛ لذلك اختلفا . وعلى ذلك القول " بلا عالم ولا قادر " اسم ينفي العظمة والجلال ، فمثله في العالم والقادر إيجاب الوصف بالعظمة والجلال ، وباللّه التوفيق . فإنه في الشاهد لا يفهم من قول الرجل " شيء " مائية الذات ، ولا من قوله " عالم وقادر " الصفة ، وإنما يفهم من الأول الوجود والهستيّة ، ومن الثاني أنه موصوف ، لا أن فيه بيان مائية الذات كقول الرجل " جسم " ، إنه ذكر مائية أنه ذو أبعاد أو ذو جهات أو محتمل للنهايات وقابل للأعراض ، وكذا ذا في الإنسان وسائر الأعيان ، ولا قوة إلّا باللّه . وبعد ، فإن القول بهذا كله واجب بما ثبت في السّمع التسمية به ، وباللّه التوفيق . قال أبو منصور : والأصل في حرف التوحيد أن ابتداءه تشبيه وانتهاءه توحيد ، دفعت إلى ذلك الضرورة ؛ إذ بالمدرك المفهوم يستدلّ على ما قصرت الأفهام من