أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

36

التوحيد

إدراك ما عن الأوهام ، نحو ما يدرك ثواب الآخرة وعقابها بلذّات الدنيا والأذيّات التي فيها ، وكذا وصف اللّه تعالى بالمدرك من خلقه للدلالة والعبارة ، فقيل : " عالم وقادر " ونحو ذلك ؛ إذ في الإمساك عن ذلك تعطيل ، وفي تحقيق المعنى الموجود في خلقه تشبيه ، فوصل به ، " لا كالعلماء " ونحوه ليجعل نفي التّشبيه ضمن الإثبات . فهذا فيما ألزمت ضرورة العقل القول به والسمع جميعا . فأمّا ما لا سمع فيه ولا في العقل احتماله فالتسمية به جرأة عظيمة ، ولا قوة إلّا باللّه . وجواب آخر ، أن " الشيء " ليس باسم ؛ لأن لكل اسم خاصيّة إذا ذكرت أعلمت مائية الشيء نحو أن يقال : ما الجسم ؟ فنقول : ما له أبعاد ثلاثة ، وما الإنسان ؟ فنذكر حدّه المعروف في الشاهد من الحيّ الناطق الميّت ، أي المحتمل لذلك . وكذلك كل جوهر له حدّ يذكر باسم الخاصيّة له ، وعلى ذلك " عالم قادر " لا يذكر خاصيته بحرف يحدّ ذاته أو يعلم مائيته ، إنما يذكر ارتفاع الجفاء عنه ، وتأتّي الأشياء له ، ولا تذكر مائية ذاته ، فجائز القول بذلك . وليس في ذلك حرف التشبيه في مائية الذات ، فخشي أن يفهم غيريّة العلم والقدرة كما هما في الشاهد ؛ فقيل : لا كغيره ممن ذكر ؛ ليعلم أنه بذاته عالم لا بغيره ، قادر ، وباللّه التوفيق . قال أبو منصور رحمه اللّه : وسئل واحد عن معنى " الواحد " قال : ينصرف على أربعة : كلّ لا يحتمل التّضعيف ، وجزء لا يحتمل التنصيف ، والذي بينهما يحتمل الوجهين ، كارتفاعه عمّا لا يتنصّف وانحطاطه عما لا يتضعّف ؛ إذ لا شيء وراء الكلّ ، والرابع هو الذي قام به الثلاثة ، هو ولا هو هو أخفى من هو ، والذي انخرس عنه اللسان ، وانقطع دونه البيان ، وانحسرت عنه الأوهام ، وحارت فيه الأفهام ، فذلك اللّه ربّ العالمين . ومن أحبّ أن يقول في اللّه بالجسم على التحقيق - مما بيّنا من معاني الأجسام التي هي محل الأعراض المحتملة للنهايات ونحو ذلك - يجب أن يكلّم في معاني خلق الأجسام المشاهدة ، إن أمكن تثبيته من كل جهة من جهاته من حيث تلك الجهة فالقول به في اللّه محال فاسد ؛ لأنه وصف له بما قام دليل حدثه ، وإن كان لا يتهيأ إيجابه فحقّه التّسمية ، وإن ثبت قيل به ، وإلّا لا ، ولا قوة إلّا باللّه .