أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
315
التوحيد
مقام جمع الجمع وهو الفرق الثاني الجامح بين الفرق والجمع وهو معرفة الحق حقا لا حق غيره والباطل باطلا لا باطل غيره . قل جاء الحق أي الوجود الحق وزهق الباطل وهو كل ما عدا الوجود الحق من جميع العوالم كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » « 1 » قال تعالى إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً أي من قبل أن يزهق في بصيرتك وبصرك فهو زهوق من قبل أي فان مضمحل لا وجود له وإنما الوجود هو الوجود الحق وحده ( وهذا ) الحال المذكور ( هو معنى فناء العبد في اللّه تعالى ) المعروف ذلك عند أهل اللّه تعالى ( وهو ) أي هذا المقام ( ثمرة الفرائض ) أي نتيجتها لمن واظب عليها بنية التقرب إلى اللّه تعالى كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن القائلين بوحدة الوجود ) على أقسام ( منهم من يعلم ) مجرد علم من غير ذوق ولا شهود وهم العامة من أهل طريق اللّه تعالى ( أن ) الوجود الواحد ( الحق سبحانه وتعالى في الخلق ) أي في جميع المخلوقات على معنى أن المخلوقات كلها قائمة به وهي كلها تقاديره وتصاويره ( ومنهم من يشاهد ) الوجود الواحد ( الحق ) وجودا ظاهرا ( في الخلق ) أي في جميع المخلوقات ويشاهد المخلوقات كلها مجرد اعتبارات مفروضات مقدرات منه فيه وذلك قوله تعالى لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الآية ، وقوله تعالى أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ الآية ، ولأن الوجود ظاهر في كل مخلوق وكل مخلوق بلا ذلك الوجود معدوم مقدر واعتبار مجرد لا يعود له أصلا ، فلا يقع التحقق إلا على ذلك الوجود وحده وكل مخلوق مفتقر إلى ذلك الوجود كمال الافتقار بحيث لولاه لما ظهر ذلك المخلوق ، بل الظهور إنما هو للوجود لا لذلك المخلوق ( شهودا حاليا ) أي بالحال والذوق لا بمجرد العلم والتخيل كالقسم الأول ( بالقلب ) أي بقلبه وبصيرته النافذة في تحقيق ذلك ( وهذه المرتبة ) المذكورة في هذا القسم الثاني ( أعلى ) أي أرفع مرتبة ( وأولى ) أي أحق ( من ) المرتبة ( الأولى ) في القسم الأول لأن فيها الشهود والمعاينة والأولى مجرد علم وتخيل نفس لمعنى ذلك ( ومنهم من يشاهد ) الوجود الواحد ( الحق ) وجودا واحدا حقا ظاهرا ( في الخلق ) أي المخلوقات . والمخلوقات اعتباراته ومفروضاته ومقدراته المعدومة فيه منه ( و ) يشاهد أيضا ( الخلق ) أي المخلوقات المذكورة ( في ) الوجود الواحد ( الحق ) الظاهر في كل مخلوق
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب أيام الجاهلية ، حديث رقم ( 3628 ) [ 3 / 1395 ] ومسلم في صحيحه ، كتاب الشعر ، حديث رقم ( 2255 ) [ 4 / 1767 ] ورواه غيرهما .