أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
316
التوحيد
( بحيث لا يكون أحدهما ) أي كل واحد من شهوده الحق في الخلق وشهوده الخلق في الحق ( مانعا ) عنده ( عن ) الشهود ( الآخر ) بل يشهد الشهودين المذكورين معا . ولا يقتضي أحدهما عنده امتناع الشهود الآخر كما قدمناه في بيان مقام جمع الجمع والفرق الثاني ( فهذه ) هي ( المرتبة الأخيرة ) بحيث لا مرتبة بعدها وهو ( أولى ) أي أحق ( وأعلى ) أي أرفع ( من المرتبتين السابقتين ) مرتبة من يعلم ذلك ولا يشهده ومرتبة من يشهده على النقصان بأن كان يشهد الحق في الخلق ولا يشهد الخلق في الحق ( وهي ) أي هذه المرتبة الثالثة المذكورة ( مقام الأنبياء ) عليهم الصلاة والسلام ( و ) مقام ورثة الأنبياء ( الأقطاب ) أي أصحاب الدوائر الكبرى الشهودية ( بمتابعتهم ) أي بسبب متابعتهم للأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ( ومن المحال ) أي المستحيل عقلا وشرعا ( أن تحصل المرتبة الوسطى من تلك المراتب الثلاثة ) وهي مرتبة شهود الوجود الواحد الحق في الخلق كما ذكرنا ( لمن خالف الشريعة ) الأحمدية ( والطريقة ) المحمدية بأفعاله وأقواله وأحواله ظاهرا وباطنا مخالفة عمدا وقصدا بلا عذر شرعي ، وإن أمكن أن تحصل له المرتبة الأولى وهي أن يعلم أن الوجود الواحد الحق سبحانه وتعالى في الخلق بسبب تعلمه ذلك من المشايخ الذين مثله أو المشايخ الكاملين المرشدين أو من مطالعة كتب الحقائق ككتب ابن العربي وغيره بلا تقيد بالتقوى ومراعاة أحكام الشريعة وأما مع ذلك فمطالعة كتب الحقائق نافعة لا محالة . قال الشيخ عبد الكريم الجيلي في رسالة مراتب الوجود : ولقد بلغني عن شيخي الشيخ إسماعيل الجبرتي أنه قال لبعض إخواني من تلامذته : عليك بكتب الشيخ محيي الدين بن عربي ، فقال له التلميذ : إن رأيت أن أصبر حتى يفتح اللّه عليّ به من حيث الفيض فقال له الشيخ إن الذي تريد أن تصير له هو عين ما ذكره الشيخ لك في هذه الكتب . وهذا كلامهم رضي اللّه عنهم التلامذة والإخوان إنما هو لتقريب المسافة البعيدة إليهم وتسهيل الطريق الصعب عليهم لأن المرء قد ينال بمسألة من مسائل علمنا هذا ما لا يناله بمجاهدة خمسين سنة وذلك لأن السالك إنما ينال ثمرة سلوكه وعمله . والعلوم التي وضعها الكمل من أهل اللّه تعالى هي ثمرة سلوكهم وأعمالهم الخالصة فكم بين ثمرة عمل معلول وثمرة عمل مخلص ، بل علومهم من وراء ثمرات الأعمال لأنها بالفيض الإلهي الوارد عليهم على قدر وسع قوابلهم ، وكم بين قابلية الكامل من أهل اللّه وبين قابلية المريد الطالب فافهم . فإذا فهم المريد الطالب ما قصدوه من وضع المسألة في الكتاب وعلمه استوى هو ومصنفه في تلك المسألة ، فنال بها هو ما نال بها المصنف وصارت له ملكا مثل ما كانت للمصنف ، وهكذا كل مسألة من العلوم الموضوعة في الكتب فإن الآخذ لها من