أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
312
التوحيد
فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن الأعيان الثابتة ) التي هي العالم في موطنه الثاني كما ذكر ( ما شمت رائحة الوجود ) أصلا ولا يمكن أن تشم رائحة الوجود أصلا لما قدمناه من البرهان النظري العقلي وللأدلة السمعية الآتية ، ولأن الوجود الحق واحد وهو ذات لا صفة ، والذات لا يصح أن تكون وصفا ، وإذا كانت صفة فلا يصح أن تكون صفة لذات أخرى عدمية ثابتة فقط من غير وجود ، فظهور الوجود على هذه الأعيان الثابتة المذكورة ظهور العين لها فيه وهو الوجود الحق الواحد سبحانه ، فهو ظاهر بعددها لأن كثرتها لم تمنع من وحدة استيلائه عليها بتعيين مشيئته وإرادته فهو الذي لا يشغله شأن منها عن شأن آخر ( وإنما الظاهر ) الآن ( أحكامها ) أي أحكام تلك الأعيان الثابتة أي ما يتميز به بعضها عن بعض وهي تعيناتها في أنفسها فرع عن أصل تعيناتها في الوجود الحق ، فإن الوجود الحق قد عينها له فيه فتعينت هي في أنفسها ، فسمى ذلك التعين الذي لها في أنفسها حكما لها وهو الظاهر بسبب ظهور الوجود المعين لها فيه أولا ( وآثارها ) أي آثار تلك الأعيان الثابتة جمع أثر ، والمراد ما هو المتأثر في المظاهر عن تلك الأعيان المذكورة من الخواص والأفعال والأقوال والأحوال واللوازم لها من الأمكنة والأزمنة وغير ذلك ، وهذا كله هو الأعيان الثابتة المذكورة من حيث ما هي متعينة به في حضرة الوجود الحق ظهرت بذلك باعتبار قبولها لذلك التعين . وأما الأعيان الثابتة من حيث هي أعيان ثابتة بتعين الوجود الحق لها في نفسه لا من حيث هي متعينة في أنفسها بما عينها به الوجود فمحال ظهورها بما هو ليس من شأنها ، فإنها شؤونه المجملة وأعيانه المفصلة من هذا الوجه بخلاف جهة أنها متعينة في أنفسها مجملة أو مفصلة فإن لها حينئذ أحكاما هي ما يحكم به عليها مما هي مخصوصة به ، ولها أيضا آثار مرتبة عليها من توابعها ، فإنها تظهر من هذا الوجه خاصة فافهم . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن المدرك ) بالسمع للأصوات وبالبصر للمرئيات وبالشم للروائح وبالذوق للطعوم وباللمس للكيفيات وبالعقل للعلوم البديهية والنظرية ( أولا ) أي في أول نسبة الحقيقة ( في كل شيء ) أي مشيوء أصله شئ بياءين فعيل بمعنى مفعول لأن الوجود الحق شاءه بمشيئته ، والمراد كل شيء من العالم كما قال تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وقال تعالى الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ فكل شيء يسبح بنطق لأن كل شيء ناطق والمسبح الناطق مدرك لمن يسبح وللتسبيح ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم إذ لا يلزم من عدم فقه أي فهم التسبيح عدم التسبيح قال تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( هو الوجود ) الحق المذكور لأن نسبة الأشياء كلها إليه نسبة حقيقية لأنه هو المعين لها في نفسه لنفسه فالمدرك لها منها هو وحده لا شريك له ( وبواسطته ) أي الوجود المذكور ( يدرك ) أي تكون نسبة الإدراك النسبة المجازية إلى ( ذلك الشيء )