أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
313
التوحيد
ولهذا ورد « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » « 1 » وينطق بتوفيق اللّه فالمؤمن من ينظر بنور اللّه في اعتقاده والغافل من ينظر بنفسه في اعتقاده ، وكلاهما ينظران بنور اللّه في نفس الأمر ، ولكن اهتدى المؤمن وضل الغافل ( كالنور مثلا بالنسبة إلى سائر الألوان والأشكال ) فإنه هو الذي يكشف أولا عن سائر الألوان والأشكال ، ثم يكشف البصر به ثانيا عن سائر الألوان والأشكال ، بحيث إنه لو لم يكشف النور عن ذلك أولا لا يقدر البصر أن يكشف عن شيء من ذلك ثانيا أبدا ، فكشف النور شرط لكشف البصر ، وإذا لم يوجد الشرط لا يوجد المشروط ( ولأجل دوام الظهور ) أي ظهور الوجود بتعيين كل متعين منه تعيينا في نفسه بعد تعيينه في نفس الوجود كما ذكرنا ( وشدته ) أي قوة ذلك الظهور لعدم مزاحمة شيء له في ذلك الظهور لأن الأشياء كلها عدم في نفسها متعينة في نفسه بتعيينه لها ( لا يعلم ) حال ( هذا الإدراك ) المنسوب إلى كل شيء من العالم كما ذكرنا أو إلى بعض العالم عند غيرنا من أهل طريقتنا ( إلا الخواص ) من عباد اللّه المخلصين . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن القرب ) أي قرب العبد إلى ربه تعالى ( قربان ) اثنان أي هو على قسمين القسم الأول ( قرب ) العبد من ربه بسبب مواظبته على ( النوافل ) من الأعمال وهي الزوائد على الفرائض ، قدمه لأنه كالجزء من الثاني ( و ) القسم الثاني هو ( قرب الفرائض ) أي الذي سببه المواظبة على فرائض الأعمال ، والمراد بالأعمال في القسمين الأعمال بالقلب والأعمال بالجسد ، فيشمل النيات والأخلاق والاعتقادات والأقوال والأفعال . ( أما قرب النوافل فهو زوال الصفات البشرية ) التي هي الحياة الدنيوية قال تعالى وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ وقال تعالى اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ والقدرة الوهمية كما قال تعالى لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا والمشيئة القهرية كما قال تعالى وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ والعلم الظني كما قال تعالى واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون والسمع والبصر والعقل والكلام مع الغفلة كما قال صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ وقال تعالى لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الآية ، فهذه صفات البشرية التي في طبع البشر وتكون بها الأخلاق الذميمة والأعمال السيئة ما لم يدرك اللّه تعالى العبد بعنايته وتوفيقه .
--> ( 1 ) رواه الترمذي في سننه ، باب ومن سورة الحجر ، حديث رقم ( 3127 ) [ 5 / 298 ] والطبراني في المعجم الأوسط ، من اسمه بكر ، حديث رقم ( 3254 ) [ 3 / 312 ] ورواه غيرهما .