أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
309
التوحيد
المجعول مباين لذات الجاعل كالولد بالنسبة إلى الوالد ، وهذا الحكم الفاسد قد نشأ من غلبة أوهامهم على عقولهم وقياسهم الجعل الحقيقي على التوليد الظاهري ، ثم ذكر بعد ذلك قال السواد إن اعتبر على النحو الذي هو في الجسم أعني أنه هيئة مخصوصة للجسم المنعوت به كان موجودا بهذا الاعتبار ، وإن اعتبر على أنه ذات مستقلة مباينة للجسم كان معدوما بل ممتنعا بهذه الاعتبارات ، والثوب الذي هو عبارة عن صورة مخصوصة في القطن إن اعتبر صورة مخصوصة في القطن المنعوت به كان موجودا بهذا الاعتبار ، وإن اعتبر الثوب مباينا للقطن ذاتا على حياله مستقلة كان ممتنعا من تلك الحيثية ، فاجعل ذلك التحقيق معيارا مقياسا لسائر الحقائق الممكنة المسماة بالأعيان الثابتة بالنسبة إلى مبدئها الواجب تعالى ، تعرف قول من قال الأعيان الثابتة ما شمت رائحة الوجود ، وأنها لم تظهر ولا تظهر أبدا بل إنما يظهر رسمها . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن ذلك الوجود ) المذكور ( كما أنه باعتبار محض إطلاقه ) عن جميع القيود حتى عن قيد الإطلاق ( سار في جميع ذوات الموجودات ) الممكنة وهي المخلوقات كلها التي هي اعتبارات منه ولا وجود لها في نفسها أصلا ولولا سريان الوجود الحق تعالى فيها لما وجدت . وسريانه فيها بلا سريان لأنها عدم ، والسريان إنما يكون من موجود في موجود ، ولا موجود إلا الوجود وحده كما تقدم بيانه ( بحيث يكون ذلك الوجود في تلك الذوات ) التي اعتبرها هو وقدرها ( عين تلك الذوات ) لأنه هو الذي عينها فتعينت له فليست هي زائدة عليه إلا بالتعين العدمي ( كما كانت تلك الذوات ) المذكورة ( قبل الظهور في ذلك الوجود ) المذكور ( عين ذلك الوجود ) المذكور لأنها في أعيان عدمية اعتبرها ، فعينها بأعيان أرادها وقدرها بمقادير ، والمعدومات المقدرة لا تغير الوجود الحق عما هو عليه سواء كانت فيه أو كان فيها أو بطنت فيه أو ظهرت منه فإنها لم تخرج ولا تخرج أصلا عن كونها أعيانا عدمية ، وهو لم يخرج ولا يخرج أصلا عن كونه وجودا حقا مطلقا كيف ما اعتبر نفسه واعتبره معتبر من خلقه باعتباره له كذلك من عارف أو جاهل . ( كذلك ) جميع ( الصفات ) الإلهية ( الكاملة ) التي لا نقص فيها ولا بوجه من الوجوه ( لذلك الوجود ) الحق المذكور ( باعتبار كليتها ) أي كونها أمور كلية بالنسبة إلى خصوص جزئيات صفات المخلوقات كلها ( وإطلاقها ) عن التقيد بشيء من أنواع التقيدات الكونية ( سارية ) أيضا صفات الوجود المذكورة ( في جميع صفات الموجودات ) التي اعتبرها الوجود أيضا صفات للموجودات المعتبرة كما ذكرنا والموجودات وصفاتها مثلها كلها أمور عدمية ، وإنما تسمى موجودات باعتبار الوجود الذي اعتبرها كما ذكرنا ( بحيث تكون تلك الصفات ) الإلهية ( الكاملة ) كما ذكرنا ( في