أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

308

التوحيد

الموجودات ) أي المسماة موجودات عند الحس والعقل وهي العوالم كلها بسبب أن الوجود المذكور اعتبرها فهي اعتباراته الكونية فإنه سبحانه لا يشغله شأن منها عن شأن بل هو كل يوم في شأن أي في اعتبار جديد وهو الخلق الجديد الذي قال تعالى فيه بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهي الأشياء الهالكة التي قال تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أي ذاته وهو ذات الوجود الحق المذكور ( كإحاطة الملزوم ) أي الصور التي تظهر منه ، فإن كل جسم مركب لا يخلو من صورة يظهر بها ، فإن القطعة من الشمع مثلا كيف ما عركتها ظهرت منها صورة ، فالصورة لازمة لها وهي ملزومة للصورة فهي محيطة بالصورة لا أنها مظروفة في الصورة والصورة ظرف لها ، لأن الصورة في نفسها معدومة ، وإلا لأمكن أن تنفصل عنها ، ولأن الصورة قيد لها لأنها تتحول عنها وتخلفها صورة أخرى ، وتلك القطعة من الشمع على حالها قطعة من الشمع لا تزيد بتلك الصورة ولا تنقص ، وللّه المثل الأعلى في السماوات والأرض . ( و ) إحاطة ( الموصوف بالصفات ) كالجسم مثلا المتلون بالألوان ، فإن الألوان كيفيات زائدة على الجسم لا وجود لها في نفسها ، والوجود للجسم والجسم محيط بتلك الكيفيات المعدومة في نفسها الموجودة بوجود الجسم لا بوجود آخر غير وجود الجسم ، وإلا لأمكن انفصالها عن الجسم بوجودها المستقل لها ، ومرادنا بالألوان كلون الزعفران مثلا صفة لجسم الزعفران ، فإذا صبغ به جسم آخر ربما علق شيء من جسم الزعفران في ذلك الجسم الآخر ، فيكون صفة لجسم لاصقا بجسم آخر ، فليس مرادنا بذلك ما ذكرنا ( لا كإحاطة الظرف بالمظروف ) كإحاطة الإناء بما فيه فإن هذا يقتضي وجودين مستقلين وجود الظرف ووجود المظروف ( و ) لا كإحاطة ( الكل بالجزء ) فإن ذلك يقتضي وجودين مستقلين أيضا ( تعالى ) اللّه الوجود الحق ( عن ذلك علوا كبيرا ) قال العارف اللاري رحمه اللّه تعالى في كتابه المذكور سابقا ما ملخصه ، إن عند أصحاب الفكر والنظر حدوث شيء لا عن شيء أي لا عن مادة قابلة تكون محلا لاستعداده قبل حدوثه محال ، سواء كان الحدوث زمانيا وهو جعل الشيء شيئا آخر أو حدوثا ذاتيا وهو جعل الشيء في نفسه ، قال فكما أن الحدس الصائب يحكم بأن لا يعقل الحادث الزماني إلا في محل قابل له ، كذلك يحكم بأن لا يعقل الحادث الذاتي إلا في منعوت قابل له ، قال رحمه اللّه : وأقول الحدس الصائب يحكم بأن لا يعقل من الإحداث مطلقا أعني الجعل إلا إفادة الجاعل نعتا من نعوته بعد ما لم يكن بعدية بالذات أو بالزمان ، إذ لا يعقل عند الحدس الصائب الذي لا يشوبه وهم من الجعل إفادة الجاعل أمرا مباينا لذاته من قبيل توليد الوالد لولده ، وبهذا التحقيق يندفع كثير من الإشكالات الواردة على مذهبي الجعل كما لا يخفي على المتأمل الواقف ، والظاهريون أعني المتكلمين والحكماء تصوروا الجعل من قبيل التوليد فحكموا بأن