أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
296
التوحيد
أدركه وحصله ( لأنهما ) أي التحقق والحصول اللذين هما معنى الوجود هنا ( من المعاني المصدرية ) المفهومة في العقول ( وليسا بموجودين في الخارج ) عن العقل بل هما معنيان موجودان في ذهن المتخيل لهما فقط لا في الحس ( فلا يطلق ) لفظ ( الوجود بهذا المعنى ) أي بواحد من هذين المعنيين معنى التحقق أي تحقق الشيء في نفسه وثبوته ومعنى الحصول أي حصول الشيء لغيره يعني إدراك الغير له ( على الحق ) سبحانه وتعالى ( الموجود ) بالوجود الحقيقي ( في الخارج ) عن الأذهان أي في ذاته لا في غيره ( تعالى ) أي تنزه وتقدس ( عن ذلك ) أي عن كل واحد من المعنيين المذكورين للوجود ، فليس مراده بأنه تعالى هو الوجود بالمعنى المصدري الذي هو التحقق أي هو تعالى مجرد وجود العوالم يعني تحققها وثبوتها في أنفسها ، ولا هو الوجود بالمعنى المصدري أيضا الذي هو حصول الشيء لغيره بمعنى إدراك الغير له أي هو تعالى وجود الشيء عند العقل وعند الحس بمعنى حصوله عندهما وإدراكهما له ( علوا ) أي تنزها وتقدسا ( كبيرا بل عنينا ) أي قصدنا ( بذلك الوجود ) الذي ذكرنا أنه هو الحق تعالى ( الحقيقة ) يعني الذات القائمة بنفسها ( المتصفة بهذه الصفات ) المذكورة من أن ذلك الوجود ليس له شكل ولا حد ومع ذلك فهو ظاهر ومتجلي بكل شكل وبكل حد ولم يتغير عما هو فيه من عدم الشكل والحد وأنه واحد لا ثاني له ، وما يتلبس به من صور الكائنات المحسوسة والمعقولة صور كثيرة مختلفة متعددة وأنه هو حقيقة جميع الموجودات كلها فهو وجودها الذي هي موجودة به لا وجود لها غيره تعالى وهو باطنها الذي هو غيب مطلق عنها وأنه لا تخلو عنه جميع الكائنات إذ لا يخلو الشيء عن وجوده وليس له غناء عنه أصلا ( أعني ) أي أقصد وأريد بذلك الوجود الذي هو الحق تعالى الحقيقة التي ( وجودها بذاتها ) أي لا بغيرها كوجود سائر الموجودات ( ووجود سائر الموجودات ) المحسوسة والمعقولة ( بها ) أي بتلك الحقيقة فتلك الحقيقة هي الوجود الذي وجدت به سائر الموجودات ( و ) عنينا أيضا ( انتفاء ) أي عدم ثبوت ( غيرها ) أي غير تلك الحقيقة المذكورة ( في الخارج ) عن الذهن إذ في الذهن يتصور التعدد فيحتاج إلى دفعه ببراهين الوحدانية وأما في الخارج فليس بمتعددة تلك الحقيقة الوجودية أصلا ، فإنها لو تعددت لتميزت أفرادها بغير صور الموجودات بها ولو تميزت أفرادها بغير صور الموجودات بها لحدّت بالحدود ولو حدت بالحدود لكانت كلها حادثة لدخولها تحت حكم الفاعل ولا فاعل غيرها فيستحيل حدوثها لاستحالة حدها وقيدها لاستحالة تعددها ، ولا تصلح صور الموجودات مميزة لأفرادها لعدم وجودها معها لأن وجودها بها فهي معدومة معها ، فالحقيقة الوجودية مطلقة حتى عن قيد صفة الإطلاق كما سيأتي ، وإذا كانت مطلقة بالإطلاق الحقيقي فلها الوحدة بلا إمكان التعدد .