أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

297

التوحيد

فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن ذلك الوجود ) الحق المذكور ( من حيث الكنه ) أي الحقيقة والذات الغيبية والإطلاق الحقيقي ( لا ينكشف ) أصلا ( لأحد ) من تعيناته الموجودة به ( ولا يدركه العقل ولا الوهم ولا الحواس ) الخمس الظاهرة وهي السمع والبصر والذوق والشم واللمس وذلك لأن ذلك كله موجود بهذا الوجود المذكور فهو معدوم في نفسه لا باعتبار هذا الوجود المذكور والمعدوم ولا يناسب الوجود ليدركه ( ولا يتأتى ) أي لا يمكن الكشف والإدراك ( في ) حكم ( القياس ) العقلي ( لأن كلهن ) أي المذكورات ( محدثات والمحدث ) بصيغة اسم المفعول ( لا يدرك بالكنه ) أي بالحقيقة ( إلا المحدث ) الذي مثله ( تعالى ) أي تنزه وتقدس ( ذاته ) أي ذات الوجود الحق المذكور ( وصفاته عن الحدوث علوا كبيرا ) وإنما قال بالكنه لأن الإدراك لا بالكنه بل الظاهر منه واقع من كل أحد فإن الإنسان يدرك وجود كل شيء يحضر عنده وذلك الوجود الذي يدركه الإنسان هو ظهور الوجود الحق لا كنه ذات الوجود الحق والأشياء جميعها أمور عدمية لأنها مشيوآت الوجود الحق ومراداته فهي مكدرة لصفاء الوجود الحق عند بعضها بعضا لا في نفس الأمر ولا يمكن أن يصفو الوجود الحق من كدر تلك المشيوآت التي شاءها فسميت أشياء عند تلك الأشياء إلا إذا انمحت تلك الأشياء كلها فينمحي المدرك والإدراك والمدرك انمحاء أصليا لا طارئا ، فيذهب ما لم يكن ويظهر من لم يزل ذوقا ووجدانا وتحققا وعيانا ( ومن أراد معرفته ) أي معرفة الوجود الحق سبحانه وتعالى ( من هذا الوجه ) أي معرفته بالكنه مع بقائه موجودا به ولم يقنع بمعرفته من حيث ظهوره بجميع الموجودات به ( وسعى فيه ) أي اجتهد في تحصيل الوجه المذكور ( فقد ضيع وقته ) أي عمره في طلب المحال ولا يظفر منه بحال . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن لذلك الوجود ) الحق تعالى ( مراتب ) جمع مرتبة وهي أمر اعتباري تعتبره النفس لمن قام به ( كثيرة ) وقد جمعها الشيخ عبد الكريم الجيلي في رسالة مراتب الوجود أربعين مرتبة والمذكور هنا سبع مراتب . ( فالمرتبة الأولى ) من ذلك ( مرتبة اللاتعين ) أي عدم التعين ( وتسمى ) أيضا ( مرتبة الإطلاق ) الحقيقي ( و ) مرتبة الذات ( البحت ) أي الخالص ( لا بمعنى أن قيد الإطلاق ) في تسميتها مرتبة الإطلاق ( و ) لا بمعنى أن ( مفهوم سلب التعين في ) مرتبة ( اللاتعين ) أي عدم التعين ( ثابتان في تلك المرتبة ) بحيث يكون معنى أنها مرتبة الإطلاق دون القيد فيكون الإطلاق قيدا لها أو يكون معنى أنها مرتبة اللاتعين دون التعين فيكون اللاتعين قيدا لها ( بل بمعنى أن ذلك الوجود في تلك المرتبة ) مطلق بالإطلاق الحقيقي