أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

295

التوحيد

وهو هدم لقواعد العقول وخبط ظاهر البطلان ، وإن كان الوجود ليس بجوهر ولا عرض بناء على جواز خلق اللّه تعالى ما ليس بجوهر ولا عرض فإنه لا شك أنه لم يكن ثم كان حيث هو حادث ، وحالته حيث لم يكن غير حالته حيث ثم كان ، بل لا حالة له حيث لم يكن وإنما حدثت له حالة حيث ثم كان ، فننقل الكلام إلى تلك الحالة فنقول هل هي له من نفسه أو من الخالق الحق له ، فإن كانت له من نفسه استغنى عن الخالق وهو محال ، وإن كانت له من الخالق نقول أيضا ، هل هي مضافة له أم إلى الخالق الحق فإن كانت مضافة له كان هو الذي جعل لنفسه وجودا وهو محال ، فتعين أن تكون تلك الحالة مضافة إلى الخالق الحق لا إليه فترجع إلى قولنا فيما ذكرنا أولا أن الخالق الحق هو وجود جميع الموجودات ولا يكون هناك للموجودات وجود حادث أصلا وإنما هو الوجود القديم الحق ظهر بما قدره وصوره من المعدومات وهذا هو الدين الحق والقول الصدق المطابق لنصوص الكتاب والسنة كما قال تعالى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقال تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أي ذاته وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان اللّه ولا شيء معه » « 1 » وهو الآن على ما عليه كان إلى غير ذلك من الآيات والأخبار كما سيورده المصنف رحمه اللّه تعالى . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن جميع الكائنات ) محسوساتها ومعقولاتها ( حتى الذرة ) بتشديد الراء واحدة الذر وهي صغار النمل والمراد الشيء الصغير الحقير جدا ( لا تخلو ) أي ليست بخالية ( عن ) ظهور ( ذلك الوجود ) الحق بها أي تجليه وانكشافه بتقديره لها وتصويره لصورتها وهذا أمر محقق لازم بالضرورة ، فإن من تصور في نفسه صورة شيء كانت تلك الصورة معدومة في نفسها حال تصوره لها كما هي معدومة قبل ذلك وبعده وإنما وجود المتصور لها ظاهر فيها وهي على ما هي عليه وهو أيضا على ما هو عليه فهذا معنى عدم خلوها عنه . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن ذلك الوجود ) الحق المذكور ( ليس ) المراد به هنا الوجود ( بمعنى التحقق ) الذي هو مصدر قولك وجد الشيء يوجد وجودا إذا ثبت وتحقق في نفسه ( و ) لا بمعنى ( الحصول ) أيضا كما يقال وجد الإنسان الشيء يجده وجودا إذا

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء برقم ( 2011 ) [ 2 / 171 ] ورواه البخاري بلفظ : « كان اللّه ولم يكن شيء غيره » ( الصحيح ، باب ما جاء في قول اللّه تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ . . ، حديث رقم ( 3019 ) [ 3 / 1166 ] ورواه غيره .