أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
294
التوحيد
العقل والحس ، الظاهرة هي به عند العقلاء والظاهر هو بها عند العارفين في مقام الفرق والجمع ، وهو على ما هو عليه أزلا وأبدا ، وهي على ما هي عليه أزلا وأبدا ، ولكنه هو يتجلى ويستتر بها عند العارفين ، وهي تظهر وتخفى به عند العقلاء ( والألباس ) بفتح الهمزة جمع لباس أي ما يلتبس به إذا ظهر من مقدراته ومصوراته العدمية التي لا يغيرها إذا ظهر ، ولا تغيره هي أيضا إذا ظهرت ( مختلفة ) داخلة تحت النوع والجنس وأفرادهما ( ومتعددة ) إلى أشخاص وصور لا تتناهى . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن ذلك الوجود ) المحض الذي هو الحق تعالى هو ( حقيقة جميع الموجودات ) أي الماهيات المحسوسة والمعقولة وصفاتها وأحوالها من حيث هي موجودات ، ولهذا سماها الموجودات ( وباطنها ) أن باطن جميع الموجودات حيث هي المنظور إليها أولا بالنظر العقلي والحسي وإن كانت هي باطنة لأنه هو المنظور إليه أولا بنظر العارفين المحققين ، وذلك لأن حقيقة الشيء ما به الشيء هو هو ، وجميع الموجودات إنما هي موجودات بالوجود الحق سبحانه وتعالى لا بأنفسها ، وأما جميع الموجودات المذكورة من حيث هي ماهيات مختلفة متعددة فليست هي الوجود الحق سبحانه وتعالى بل هي مقدراته ومصوراته ، ولكن ليس لها وجود آخر غير الوجود الحق تعالى لأنها لو كان لها وجود آخر غير الوجود الحق تعالى لكان ذلك الوجود الذي لها إما متولدا من وجوده تعالى وهو محال لأنه تعالى لم يلد ولم يولد وإما خارجا من العدم فيحتاج إلى وجود آخر لأنه كان معدوما فصار وجودا موجودا ، وأيضا فذلك الوجود الحادث إما أن يكون عرضا أو جوهرا ولا يصح أن يكون جوهرا لأن الجوهر لا توصف به الجواهر والأعراض والوجود وصف لجميع الجواهر والأعراض ، ولا يصح أن يكون عرضا أيضا لأن العرض لا بد له من مقوم يقومه وهو الجوهر ، وجميع الجواهر والأعراض معدومة قبل اتصافها بالوجود والمعدوم لا يكون مقوما للعرض الموجود ، وأيضا لا يقوم العرض بالعرض ، ولأن صح قيام العرض بالعرض فالأعراض كلها قبل اتصافها بالوجود معدومة فكيف يقوم بها العرض الذي هو الوجود ، هذا كله إن قلنا : إن الوجود الحادث المذكور غير الماهيات المعقولة والمحسوسة وإن قلنا : إنه عينها كما قاله الأشعري وغيره فيلزم أن يكون أيضا إما جوهرا وإما عرضا ، فإن كان جوهرا كانت الكل جواهر سواء كانت معقولات أو محسوسات ولم يكن بين الأشياء كلها اختلاف بل كانت العوالم كلها جوهرا واحدا متحدا بالذات والصفات ، والاختلاف في العوالم ظاهر بالحس والعقل والتعدد فيها ظاهر أيضا بالحس والعقل ، فليست كلها جوهرا واحدا متحدا بالذات والصفات ، وكذلك إن كان الوجود الحادث عرضا يكون الجميع عرضا واحدا ليس له مقوم يقومه