أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
29
التوحيد
[ فساد تسمية الباري بعلة العالم ] قال الشيخ رحمه اللّه : وقوله الباري علة العالم إن أراد به كون المصنوع به بالطبع فهو محال ؛ لأنه طريق الاضطرار ، ومن ذلك وصفه لا يحتمل به كون العالم ، على أن العالم محدث مختلف ، ومن كون الشيء به بالطبع فهو ذو نوع ، وإن أراد به أنه يحدثه فذلك مستقيم ، وتسميته علة فاسدة ، وذلك المعنى يوجب كون الشيء بعد أن لم يكن لأوجه : أحدها التناقض ؛ إذ العدم يوجد ، فتقع الحاجة إلى من يوجده ، فثبت أن في ذلك وجوب كونه حادثا . والثاني كون كليّة العالم به ، ومعلوم كون الحادث بعد أن لم يكن ، واللّه أعلم . والثالث أن في ذلك وجود الاجتماع مع التفرق ، والحركة مع السّكون ، والحياة مع الموت ، وفي ذلك تناقض وتناف ، ثبت أنه كان على التتابع بالأول والثاني ونحوه ، ولا قوة إلّا باللّه . قال أبو منصور رحمه اللّه : ونحن نقول بأنه عز وجل لم يزل عالما قادرا فاعلا جوادا على الوجوه التي تصح في العقل ، ويقوم معه التدبير ، إنه لم يزل كذلك ليكون بفعله كل شيء يكون ، في وقت كونه ، بوجه يصح عنه دفع الوصف بالغنا عن التكوين ، والامتناع عن وقوع القدرة عليه ، والغنى بنفسه في الوجود عن الباري ، ولا قوة إلّا باللّه . وذلك معلوم في الشّاهد في العلم والإرادة بأشياء ليست بكائنة لتكون ، فمثله عندنا القدرة والإرادة والجود وما ذكر ، ولا قوة إلّا باللّه . وما ذكر من التوهّم فإنه قد يتوهّم في كل شيخ - في أوّل ما شاخ - بقدمه ، ولم يجب به الوصف في الأزل ، وكذا في كل حركة وسكون ، وتفرق واجتماع . فإن قلت : ذا محال ، فمثله كون الحدث في الأزل محال ، واللّه الموفق . ثم زعم من يقول بالاثنين - الظّلمة والنّور - بقدم العالم ، وأحقّ من يأبى ذلك من يقول بهذا ؛ إذ من قولهم إنهما كانا متباينين فامتزجا ، فكان العالم من امتزاجهما . ومعلوم أن الامتزاج كان حادثا ، إذ التباين كان هو المتقدم ، ولم يكونا يلقّبان بالعالم . إلا أن يقولوا : النور والظّلمة جوهران اختلفا ، كانا في الأصل بمكانهما ، فكان مكان النور نور كله وخير ، ومكان الظّلمة ظلمة كلها وشر ، فيبطل القول بقدم العالم