أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
30
التوحيد
الممتزج ، وبخاصة قول المانوي « 1 » حيث زعم أن النور لما رأى الظّلمة قدحت فيه ومازجت به أحدث هذا العالم ؛ ليتخلّص بذلك أجزاء النور من أجزاء الظّلمة ، فصار العالم على هذا القول - بعد الامتزاج المحدث مكوّن بعد المحدث - قديما . وذلك هو التجاهل . فأوجبوا عجز النور وقت كونه في سلطانه بجميع أعوانه من الخيرات وأنصاره من الحسنات حيث لم يقدر على الامتناع من قدح الظّلمة وأحد أحزابه عنه ، وجهّلوه بوقت القدح فيه ليتخلص منه ، ثم زعموا أنه أحدث هذا العالم ليخلّص أجزاءه منه بعد أن صار في وثاقها . هيهات ما أبعدهم عن ذلك ، وما أجهل من يقدمونه ويجعلون له كل خير وأول كل خير وعلم ، وقد جهل ما ذكر ، وعظم كل خير بقوة ، وقد عجز من حفظه في أقوى أحواله . ثم إذ كان هو المنشئ للعالم كيف صار أكثر العالم شرّا ؟ فهو إذن فعل الشر ليتخلص به من وثاق الشر ، فكأنه أعان الشر والظّلمة ؛ إذ هو عمل ذلك . ثم قد زاد من أجزائه في أجزاء النور بإحداث العالم في أجزاء العالم ، فازداد له حبسا وهلاكا ، ولا قوة إلّا باللّه . [ اختلاف قول الثنوية في الامتزاج ] قال أبو منصور رحمه اللّه : واختلفت الثنوية « 2 » في الامتزاج ، فمنهم من يجعله للظّلمة ، لكنهم اختلفوا ، فمنهم من يحقق له الفعل ، ومنهم من يأبى ذلك ويراه كالمنتشر بالطّبع ، وهي كثيفة ستّارة ، والنور رقيق درّاك فيقع فيها ، فوقع الامتزاج بذلك . ومنهم من يجعل ذلك للنور . لكنه كله هذيان ، ما يدريهم ذلك ؟ والأصل فيه أن الظّلمة والنور في احتمال التغير والاستحالة ، واحتمال التجزئة والتّبعيض ، والحسن والقبح ، والطيب والخبيث ،
--> ( 1 ) المانوي : نسبة إلى المانوية وهم أصحاب ماني بن فاتك كوّن معتقداته من المجوسية والنصرانية وقال بأصلين قديمين للعالم هما النور والظلمة . انظر الفهرست لابن النديم [ 456 - 474 ] و [ الملل والنحل للشهرستاني [ 2 / 81 - 86 ] . ( 2 ) الثنوية هي المانوية وهي فرقة من الفرق الدينية الباطنية يزعم أصحابها أن النور والظلمة أزليان قديمان بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام وبتساويهما في القدم واختلافهما في الجوهر والطبع والعقل والحيز والمكان والأجناس والأبدان والأرواح . من هؤلاء الثنوية ماني بن فاتك الفارسي الذي ظهر بمذهب المانوية في عهد سابور بن أزدشير بعد المسيح فأسس دينا بين المجوسية والنصرانية وكان يقول بنبوة عيسى عليه السّلام دون موسى . زعم ماني أن العالم مركب من أصلين قديمين ، أحدهما نور والآخر ظلمة ، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا ، وأنكر وجود شيء لا من أصل قديم ، زاعما أنهما لا يزالا قويين حساسين سميعين بصيرين ، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان ، وفي الحيز متحاذيان تحاذي الشخص والظل .