أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
287
التوحيد
الخلق تحقق له عند وجود أحد الاسمين ولا تحقق عند وجود الآخر ؟ فلا يجد إلى تحقيق ذلك سبيلا . فيقال عند ذلك : إذ لم يجعل الاسم بأحدهما علما لأمر منعت المسمّى بالآخر ، وكذلك فيما يلحق الضرر ، فإذا صرت أنت بالتفريق عابثا ملبسا . ثم الناس في عهد رسول اللّه ثلاثة : مؤمن وكافر ومنافق ، لم يعرف للمسلم درجة خارجة من هؤلاء ولا للمؤمن ، وفي التفريق ذلك ، وذلك خلاف ما عليه الأمر الأول من الخلق . على أن أهل الأديان جميعا فرّوا عن اسم الإسلام ، فلو لم يكن الإسلام معروفا عندهم أنه ما معناه وما الذي نفر عنه طباعهم لكان لا معنى لذلك ، وبه وصف الرسل أنهم سموا . وإذا ثبت أنه معلوم عند الخلق ، فمن رام صرفه إلى معنى زائد في الدين أو إلى معنى زائد على الإيمان أو ناقص عنه ، يجب إن ذهب إلى معنى ناقص عنه أن يجعل الإسلام دون الإيمان فيجب حقيقته والتدين بذلك الدين ، ثم لا يكون مؤمنا . وإن كان زائدا فيجب أن لا يقع النّفار عن قدر ما يدعون إلى الإيمان وإن لم يوصف لهم أنه أسلم ، فإذ وجد ذلك ثبت أن معنى ذلك غير زائد على الآخر ولا له وجود دونه ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : من بدل دينه فاقتلوه ، ثم بيّن اللّه دينه فقال : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ [ البقرة : 256 ] ، فيقال : أهو مسلم أو لا ؟ فإن قال : لا ، فقد بدّل إذا دين اللّه ، وإن قال : نعم ، صار مسلما بفعل الإيمان لا غير . على أن هذا الخبر في تبديل الدين ، وأنه معروف أنه الاعتقاد لا غير ، وأن المراد في ذلك راجع إلى الدين الذي هو الإسلام ، ثبت أنه معروف الحد والقدر يعرف مبدله ، ولو كانت الأفعال سوى الاعتقاد دينا كان كل واحد في كل أحواله مبدل الدين لوجود تلك الأفعال أفعال من القرب في كل وقت ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم يقال له : الخبر الذي رويت في هذا الباب في تفسير الإسلام فيه ذكر الأمور الظاهرة ، وكذلك أهل النفاق يوافقون المؤمنين في الأمور الظاهرة ، وقد قيل لهم : قُولُوا أَسْلَمْنا [ الحجرات : 14 ] ، أهو الإسلام في الحقيقة أو لا ؟ فإن قال : نعم ، هو الإسلام في الحقيقة صيّر قوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] ، وقوله : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة : 3 ] هو الذي ذكر ، فيجب أن يكون قوله : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [ آل عمران : 85 ] ، وقال : كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ [ آل عمران : 86 ] ، هو ذلك الذي قال لهم : قُولُوا أَسْلَمْنا [ الحجرات : 14 ] ، وما جاء به الخبر لوجود تلك الشهادة في أهل النفاق وتلك الأفعال ، فيكون المخلصون والمؤمنون قد