أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

288

التوحيد

ابتغوا غير الإسلام دينا ، وتركوا ما رضي اللّه عنهم وأهل النفاق الذين جاءوا به ، وذلك بعيد . فثبت أن ذلك الإسلام الانقياد والاستسلام ، وأما حقيقته فهو الدين في الحقيقة لا ما ذكر من الظواهر ، دليل ذلك الأمر الذي ذكروا أن اللّه قال في آخر السورة : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ [ الحجرات : 17 ] ، ولو كان الإسلام ما أظهروا كيف قال : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الحجرات : 17 ] . ثم فيه أنه جعلهم مسلمين كما قالوا إن هدوا للإيمان لا بما أظهروا ، ثبت أن الإيمان هو الإسلام . وكذلك قال : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [ آل عمران : 85 ] ، ثم بين ذلك الدين الذي هو الإسلام وقال : كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ [ آل عمران : 86 ] ، صيّر ذلك لم يقبل دينا غير الإيمان الذي وصف ، ثم جعلهم مبدّلين دين الإسلام بالكفر بعد الإيمان ليعلموا أنهما واحد . مع ما كان فيما تقدم كفاية من قوله : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا [ البقرة : 136 ] إلى قوله : مُسْلِمُونَ [ البقرة : 136 ] . والأصل عندنا أن الأسماء إنما جعلت لمعرفة أهلها فيما أريدوا بأمور جعلت لهم وعليهم وفيما وعدوا وأوعدوا ، ثم لم يكن أحد يخيّر فيما جرى آية الذكر باسم الإيمان أو الإسلام ممن ينتحل دين الإسلام في اقتضاء الذكر إياه من حيث الاسم ، ثبت أن حقيقتهما واحد ، وأن من يروم التفريق بينهما من بعيد يخترع ، ولا قوة إلا باللّه تعالى ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين .