أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

286

التوحيد

والجهة الثانية على أن الاكتفاء به بوجهين : أحدهما أنهم قد علموا أنه لا يجوز أن يكون مؤمنا غير مسلم في الحقيقة ، أو مسلما غير مؤمن ، فرأوا أن ذلك القدر كاف عن الإبلاغ في الذكر لظهور ذلك ، والآخر أن يكون الثاني عنده البيان عن أفعال الإسلام يرويه باسمه على مجاز اللغة في تسمية الشيء باسم سببه واسم المتصل به . ثم قد ثبت أنهما واحد في التحقيق على ما جرى به أحكام القرآن ، قال اللّه تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [ البقرة : 136 ] إلى قوله : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ البقرة : 133 ] ، فألزمهم اسم الإسلام بالذي به صاروا مؤمنين ، ومثله في يونس . وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [ يونس : 84 ] ، فصيّرهم بالذي آمنوا مسلمين . وقال عز وجل : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الحجرات : 17 ] ، صيّر ذلك منهم إسلاما لو صدقوا في إيمانهم ، وكذلك به يكونون مؤمنين . وقالت الملائكة : فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 35 ) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ الذاريات : 35 - 36 ] ، فصيّر الذين كانوا مسلمين مؤمنين . ثم كذلك إن اللّه تعالى ذكر البشارة مرة بذكر الإيمان ومرة بذكر الإسلام ، ثبت أنهما في الحقيقة واحد . وقد روي عن نبي اللّه عليه السلام أنه قال : « لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة » وروي أنه لا يدخلها إلا نفس مسلمة . ثم الأمر المتوارث من غير تنازع في تسمية كل مسلم مؤمنا وكل مؤمن مسلما . ثم اتفاق أهل المذاهب في الإسلام أن ما يخرج من الإيمان يخرج من الإسلام ، وكذلك الذي يخرج من الإسلام يخرج من الإيمان . ثم ما لا تنازع في الآخرة في جميع الفرق أن الدار التي هي لأهل الإسلام هي لأهل الإيمان ، وأن التي هي لهؤلاء هي لهؤلاء . وكذلك قسم اللّه الخلق في الدنيا والآخرة فقال : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] ، وما نظر صاحب القول في المسلم من هو منهما ؟ وقال اللّه تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : 106 ] فما فتوى صاحب هذا القول في المسلم أنه ما صفة وجهه ؟ وقال : وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ [ لقمان : 22 ] ، وقال : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ فصلت : 33 ] ، فما حاله لو قال : أنا من المؤمنين ؟ وقال : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ [ طه : 112 ] ، كما قال : وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ [ لقمان : 22 ] . ثم يقال لصاحب هذا القول : تحقق هذا الاسم بأحدهما ويمنع الآخر حكما في أمر الدنيا والآخرة أو لا ، فإن حقق فيقال : ما ذلك إلى أي الدارين يرد المسلم أو المؤمن ؟ ثم في الشاهد أي الاسمين أحمد ، وأي حق فيما بين العبد وربه أو بينه وبين