أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

285

التوحيد

بالحقيقة والآخر ليس وجوده بالحقيقة ، فلذلك قيل : هما واحد في التحصيل ، وإن كانت العبارة من الاسم في الإطلاق ربما تختلف " كالإنسان " و " ابن آدم " و " رجل " و " فلان " ، يختلف من ظاهر الإسلام المعنى وفي التحقيق واحد من حيث كان بوجود واحد وجود الآخر إلا من الوجه الذي وصفت في حق الإسلام الذي هو باللسان ، واللّه أعلم . ثم الأصل أنه من البعيد عن العقول أن يأتي المرء بجميع شرائط الإيمان ثم لا يكون مسلما ، أو يأتي بجميع شرائط الإسلام ثم لا يكون مؤمنا ، ثبت أنهما في الحقيقة واحد . ومعلوم أن الذي يسع له التسمّي بأحدهما يسع بالآخر ، وأن الذي به يختلف الأديان إنما هو الاعتقاد لا بأفعال سواه ، وبالوجود يستحق كل الاسم المعروف ؛ لذلك وجب ما قلنا . وقد قال اللّه تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] ، وقال : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [ آل عمران : 85 ] ، فالمؤمن بالصفة التي يصير بها مؤمنا لا يخلو من أن يكون أتى بالإسلام الذي هو الدين عند اللّه ، أو أتى ببعضه لا كله ، أو ابتغى غير دين اللّه ، فإن قال بالأول أذعن للحق ، وإن قال بالثاني فهو إذا لم يبتغ به دينا إنما ابتغى بعضه ، وذلك بعيد ، بل شهد اللّه على مثله بأنه كافر حقا . وبعد ، فإن كل كافر قد يأتي ببعضه ثم لم يجب به الاسم ، وقد سمّي به من ذكرت ، ثبت أنه قد أتى بالكل . وإن قال بالثالث صيّر دار المؤمنين النار ، وأبطل جميع ما جاء به الرسل من الأمر بالإيمان بهم ، ثم لم يصر مسلما بذلك ، وجاء بما لا يقبل منه من الأديان ، ثبت أنه التّام من الدين ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الاختلاف الذي من خبر جبريل عليه السلام قد روي في ذلك اختلاف في اللفظ : روي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن الإيمان ثم عن شرائع الإسلام فأجاب بالذي ذكر في السؤال عن الإسلام ، فيكون هذا الخبر تفسيرا للخبر الأول ، ويحمل الخبر الأول على جهتين : إمّا على أن الراوي لم يسمع الشرائع في السؤال أو في الرواية عن الذي رواه ، فروي كذلك ، يؤيده خبر ابن عمر أن ذلك قد كان ، ومن البعيد أن يكون مقدار الأول ، ويؤيده ابن عمر لما يسقط الشهادة بما يخبر عن جبريل وعن الرسول بغير الذي قالا ، وغير مدفوع حقا البعض على بعض ، فيرونه على ما وقع عنده ، وأيّد هذا ما ذكر في بعض الأخبار أن النبي عليه السلام قال : « هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم » « 1 » ، وروي في غيره : ليعلمكم أمر دينكم ، فكان في الخبر " أمر دينكم " وإن خفى على الآخر ، فمثله الخبر الأول .

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .