أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
282
التوحيد
" لعلك " ، وكذلك أمر الثنيا . ثم يعارض لجميع ما ذكر من الإيمان باللّه ومحمد مع الثنيا ، فإذا كان القول ممتنعا والواصف به في حق من لم يؤمن قلوبهم فكذلك الأول . وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه سئل عن أفضل الأعمال فقال : " إيمان لا شك فيه ، وجهاد لا غلول فيه ، وحجّ مبرور " ، فقال اللّه تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا [ الحجرات : 15 ] . فإن قيل : ما الحكمة في قوله : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ [ الفتح : 27 ] ، قيل : يخرج هذا عندنا على وجوه - واللّه أعلم بحقيقة ذلك - لكنه خبر أخبر عن قول غيره ، لم يقل : لتدخلن إن شئت ، ولكن قال : إن شاء اللّه ؛ ليعلم أنه قول غيره ، ثم احتمل أن يكون اللّه علم رسوله أن يقول ذلك ويستثني لما هو وعد ، وقد كان قال : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الكهف : 23 - 24 ] ، " ولأفعلن " و " لتدخلن " واحد ، لكنه أمر بالثنيا إن كان وعده له أو لا ؛ ليعلم الناس حق الوعد ، كما أمره بالمشورة ، ليعلم الناس خطرها ، أو لما كان أضاف اللّه إليه الدخول ، وقد كان وعد خاصته أو من بقي منهم ، فالثنيا لما خشي الفناء على بعض المخاطبين ، أو كان في قوله : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ [ الفتح : 27 ] ، ثم هو يتوجه وجهين : أحدهما أن يكون رأى كذلك قولا مقرونا بالثنيا ، فذكر على ذلك ، إذ كان رسول اللّه أخبر القول بالدخول لوقت لم يبيّن له ، فاستثنى في ذلك ، وذلك حق في كل ما يرتاب ، لا ما يتقيّن فيه على ما ذكرنا . فمن كان على يقين من دينه وعلم من صدق ممن يعلم حدّ الإيمان وأنه قد أوفاه فعليه أن يقوله شكرا لما أنعم اللّه به عليه ، وليس في ذلك تزكية لاشتراك الجميع في ذلك ، ولما أمروا به ، ولما هو معلوم الحد ، ولما باليقين به يعلم مواقع الخطاب ودخوله فيه ، ولما يعلم أن اللّه إذ سمّاهم به سمّاهم بما استحقوا ذلك ، مع ما ألزم اللّه عز وجل بظاهر الدين أحكاما من معاملات الخلق وأنواع الحقوق مما يلزمهم إظهار ذلك للقيام بالحقوق التي يلزم الناس بها ، ولا قوة إلّا باللّه العظيم . مسألة [ الإسلام والإيمان ] تكلم الناس في الإسلام أنه اسم الإيمان في التحقيق أو غيره . فأما من يقول بأن الإيمان اسم لجميع الخيرات فقد اختلفوا في ذلك خلافا يشبه أهل القول به ، وإلا فلا معنى لاختلافهم ؛ إذ احتجوا بقوله تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [ آل عمران : 85 ] ، وصيروا لكل شيء يقبل إسلاما ، وكل خير إيمان ، وكل