أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

275

التوحيد

بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 31 ] إنه لما سئلوا عن أمر لم يكن لهم به علم فوضوا الأمر في ذلك إلى اللّه ، وكذلك الحق في أصحاب الكبائر ، إذ معهم خيرات الواحدة منها لو قوبلت جميع ما دون الشرك من الشرور لمحتها وأبطلتها ، فلا يحتمل أن يحرم صاحبها ويخلد في النار ، لكن يرجي أمره إلى اللّه ، فإن شاء عفا عنه إذا هو لم يحرمه عند فعله معرفته ومعاداة أعدائه له وتعظيم أوليائه ، فعند شدة حاجته إلى عفوه وإحسانه يرجو أن لا يحرمه ، واللّه الموفق ، إذ قال : هو الغفور وهو الرحيم الودود ، وإن شاء قابل بسيئته ما أكرمه به من الحسنات فجعلهن كفارات لها كما قال تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] ، وقال في غير موضع : نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ النساء : 31 ] ، وقد ذكر الأنواع التي وعد بها التكفير ، ولا قوة إلّا باللّه . وذلك كقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ [ الأحقاف : 16 ] ، وقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ [ العنكبوت : 7 ] ، ونحو ذلك ، واللّه أعلم . وإن شاء جزاه قدر عمله ، وما كان منه من الحسنات فقدرها أيضا بقوله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ] ، وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر جزاء الخير والشر ، وذلك وصف العدل في المؤاخذة وإن كان هو فيما أعطى الثواب مفضلا ، وباللّه التوفيق . وهذا النوع من الإرجاء حق لزم القول به . والمعتزلة أرجت فعل نفسه حيث أبى تسميته مؤمنا وكافرا ، فجهله بحقيقته ألزمه القول بإرجاء الاسم ، لكنه جهل حقيقة فعله فلا عذر له ، والأول جهل حقيقة ما يعمل به اللّه ، وذلك لا يعرف إلا بالسمع ، ولم يجئ ما يقطع القول بشيء فهو لازم . وقال بعضهم : المرجئة هم الذين أرجوا أمر علي بن أبي طالب ومن خرج معه وعليه ، فإن أرادوا به الإرجاء من الوقف في القول فيهم فلا معنى لذلك من غيره ، وإن أرادوا الإرجاء المذموم فهو قريب . ولما لم يكن أحد يعدل عليا في الاستحقاق مع دلالة الخبر المرفوع له في عهد أبي بكر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " إن وليتم أبا بكر تجدونه ضعيفا في بدنه قويا في دينه ، وإن وليتم عمر وجدتموه قويا في بدنه قويا في دينه ، وإن وليتم عليا وجدتموه هاديا مهديا يسلك بكم طريق الهدى " « 1 » ، أو كما قال عليه السلام . ثم إدخال عمر إياه في الشورى ، ثم اتفاق أخيار الصحابة عليه لم يكن أمره بحيث الخفاء ليعذر من جوز القول : جائز أن يلحق أهله الذم بذلك ؛

--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .