أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
276
التوحيد
إذ هو جهل ما لا يحتمل الجهل إلا عن إغفال أو ترك التأمل في أمر الدين ، واللّه الموفق . ثم إن ثبت الخبر المرفوع أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي : القدرية والمرجئة " « 1 » ، وما ذكر أن المرجئة لعنت على لسان سبعين « 2 » فهو يخرج - واللّه أعلم - على وجهين : أحدهما أن يراد به الجبرية بما جمع إلى القدرية ، وهما قولان متقابلان جمعهما الخبر في الذم وهو أن القدرية تحقق قدر أفعال الخلق للخلق ، لا تجعل للّه فيها مشية ولا تدبيرا ، والجبرية أرجأها إلى اللّه تعالى ، لم تجعل للخلق فيها حقيقة البتة ، فحملت الجبرية كل قبيح وذميم ، جل اللّه تعالى من أن يكون ذلك وصف فعله ، وحملت القدرية الأمر على الخلق ، على ما هم بها من الجهل . والحق هو الوسط من القول : أن يكون من العباد أفعال على ما هي منهم ، ومن اللّه خلقها على الحد الذي كانت عليه ، وباللّه التوفيق . وقد تقدم بيان المعنى بالقدرية . والوجه الثاني أن يكون ذلك فيما عليه حال الفاعل في فعله من الوقف في ذلك نحو ما قالت الحشوية في اسم المؤمن والثنيا فيه ، ومعلوم أن الإرجاء هو الوقف في الجواب والإمهال للنظر ، ثم لا يقطعون في أنفسهم القول بالإيمان بل يستثنون ، والثنيا إرجاء ، وقد ذكر ذلك في بعض الأخبار ، لكن لا يشهد بصحته ، وفي العقل بيان معنى الإرجاء ، إذ هو الوقف في الأمر في أمر هو فعلهم . وما قالت المعتزلة في إرجاء صاحب الكبيرة بالتسمية أنه مؤمن أو كافر ، مع ما قسم الخلق الذين امتحنوا قسمين في التحقيق : مؤمن وكافر ، وصير القسم الثالث المنافق ؛ إذ هو مع هؤلاء في الظاهر ، ومع هؤلاء في السر ، فاستوجبوا أحكام أهل الإيمان في الظاهر مما عليه أهل الأديان في الدنيا ، وفي الباطن من الأحكام على ما عليه أمر الكفر في الظاهر من أمر الآخرة ، واللّه الموفق .
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) يشير إلى الحديث الشريف الذي رواه الربيع في مسنده ، ما جاء في الحجة على القدرية حديث رقم ( 806 ) [ 1 / 304 ] ونصه : « صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي يوم القيامة لعنهم اللّه على لسان سبعين نبيا قبلي قيل فمن هم يا رسول اللّه قال القدرية والمرجئة قيل فمن المرجئة قال الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل والقدرية الذين يعملون بالمعاصي ويقولون هي من اللّه إجبار أما ولو شاء اللّه ما أشركنا وما عصينا » .