أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

271

التوحيد

المذاهب . مع ما كان الإيمان في اللغة التصديق . وحقيقته الذي لا يحتمل القهر والجبر ، هو الدين في القلب ؛ إذ لا يجري سلطان أحد من الخلق ، وجملة ذلك أنه يجوز أن لا يكون لسان ولا يحتمل رفع الدين الحق ولا الإيمان باللّه والرسل من أحد ، ثبت أن حق ذلك القلب . مع ما كان ذلك من المحال ارتفاع فعل الإيمان عن الممتحن في حال الخطاب بحال وباللسان عامة الأوقات على الخلق يمر بدونه بل من الأحوال أحوال ينهى المرء فيه أن يقول : آمنت بالكتب والنبيين والبعث ونحو ذلك ، نحو الكون في الصلاة ، فيصير الإيمان على هذا القول بحيث ينهى ، ودين الإسلام بحيث يفسد عبادته ، واللّه جعله شرطا للجواز وجعله دائما لا يتغير ولا يتبدل ولا يجوز فيه النسخ ، ثبت أنه على غير ما ظنت الكرامية . على أن اللّه تعالى أعلا درجة الإيمان في القلوب حتى صيرها أعلا الدرجات ، وصيّر الإيمان مما يقوم به الخيرات ، وعند وجوده يصلح العبادات ، وما يحتمل ما وصفت إنما هو القلوب لا الألسن ؛ لذلك كانت أحق . وبعد ، فإن الخطاب بالإيمان يلزم بالعقول ، ويعرف حقيقة ما به الإيمان بالفكر والنظر ، وذلك عمل القلوب ، فمثله الإيمان . مع ما كان الألسن قد تستعمل وتخبر كغيرها من الآيات ، واللّه تعالى يقول : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [ البقرة : 256 ] ، لم يجز أن يجعل حقيقته فيما فيه الإكراه . وقال اللّه تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ [ البقرة : 256 ] ، وليس الكفر بالطاغوت باللسان خاصة ، فمثله الإيمان . ألا يرى إلى قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ [ النساء : 60 ] إلى قوله : وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [ النساء : 60 ] ، فيصير الميل والتحاكم ترك للكفر وإن أخبر عن لسانه أنه يزعم أنه مؤمن بالذي عليه الإيمان به ، واللّه الموفق . وفي كتاب اللّه الخطاب بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [ الحجرات : 1 ] في غير موضع ، ثم لم يرتب أحد ممن ينسب إلى الإسلام والإيمان في ذلك أنه مما تضمنه وإن لم يكن هو وقت فرغ الخطاب معه يستعمل لسانه في فعل الإيمان ، ثبت أن حقيقته التي بها سمّاهم بهذا قائمة فيهم وقت الخطاب ، وهي لا تحتمل إلا أن تكون في القلب ، ولا قوة إلّا باللّه . وفي هذا النوع آيات هي تنقض على المعتزلة والخوارج والكرامية والحشوية مذهبهم على اختلاف مذاهبهم نحو قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [ الصف : 2 ] إلى قوله : كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [ الصف : 4 ] ، وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ التوبة : 38 ] ، وقوله تعالى : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ [ النساء : 75 ] ،