أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
268
التوحيد
الإيمان . وعلى ذلك القسمة في الآخرة : فريق في الجنة وفريق في السعير ، والمعطى بيمينه وشماله ، والمؤمن والكافر ، وقوله تعالى : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ آل عمران : 131 ] ففيهم تحقق الوعيد ولزمت الأسماء التي هن نهايات في القبح إياهم . وأما من لم يبلغ ذلك الحد فإن الذي جاء فيهم من الوعيد يخرج على وجوه : على تحذير اختيار تلك الأحوال التي ذكرت ، أو على أن ذلك جزاؤه لو لم يكن معه غير ذلك من المحاسن ، أو على أن للّه في حكمته فيهم على ما استحقوا وجه عفو ولشفيع الأخيار فيهم ، أو تكفير بغير ذلك من الحسنات أو وجه من العذاب على قدر ذنبه من ذنب الشرك ، وله من الثواب فيما جاء به على ما أكرم به وأنعم عليه في الدنيا من التوفيق لطاعة ربه والحمد على ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . مسألة [ في الإيمان ] قال قوم : الإيمان هو الإقرار باللسان خاصة وليس في القلب شيء . قال أبو منصور رحمه اللّه : ونحن نقول وباللّه التوفيق : أحق ما يكون به الإيمان القلوب ، بالسمع والعقل جميعا . أما السمع فما قال اللّه تعالى في المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وقال : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] أبطل أن يكون قولهم إيمانا إذا لم تؤمن قلوبهم ، وقال : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الحجرات : 17 ] فأخبر أنهم لو كانوا بما ادّعوا من الإيمان مؤمنين بهداية اللّه لكانوا مؤمنين لو صدقوا . ولو لم يكن الإيمان إلا باللسان لكان إذا نطقوا به فقد صدقوا . وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ [ الممتحنة : 10 ] أخبر أن اللّه تعالى أعلم بإيمانهن . ولو كان الإيمان ليس إلا القول باللسان لكان كل سامع واحد في العلم . وقال تعالى : وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ [ التوبة : 56 ] أخبر أنهم كذبوا في ذلك . وقال : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [ النساء : 65 ] ولو لم يكن غير اللسان لم يكن لينفي إيمانهم بوجود الحرج في الأنفس . وقال تعالى : فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ [ النساء : 25 ] ، ثم قال : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ [ النساء : 25 ] ، بيّن أن الإيمان حقيقة حيث يعلم اللّه به وحده . وقال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ