أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

269

التوحيد

بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] نفى أن يكون الذي قالوا بألسنتهم إيمانا إذا خالفت قلوبهم ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم إن اللّه عز وجل وعد للمؤمنين الثواب الدائم وأخبر في المنافقين أنهم في الدّرك الأسفل من النار ، فلو كان ما أظهروا إيمانا في الحقيقة لكان حقه على الموعود الجنة لا الزيادة على عقوبة الكفر . وقال تعالى : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 9 ] صيّر إيمانهم الذي أظهروا مخادعة اللّه . فمن زعم أن مرتبة دين الإسلام والإيمان بالأنبياء وباللّه وبما أرسلهم به يحصل على مخادعة اللّه فهو عظيم القول في دين اللّه جاهل بربّه ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال اللّه عز وجل : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [ المنافقون : 6 ] وقال تعالى : وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [ التوبة : 54 ] وغير ذلك مما أخبر اللّه عن المنافقين أنهم كفروا ، والكفر ضد الإيمان ، وبالإيمان تنتهي عن الكفر . وقال اللّه تعالى : إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] ، وقال تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [ الفرقان : 68 ] إلى آخر تلك الآيات . وإذ ثبت أن المنافقين كفرة في التحقيق ، كذبة في قولهم بما قال اللّه ، واللّه يشهد أن المنافقين لكاذبون . وقال : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً [ المجادلة : 6 ] أخبر أنهم كذبة ، فجعل قول الإسلام منهم على جحوده القلب كذبا ، فمن جعل ذلك إيمانا - والإيمان في اللغة هو التصديق - فقد جعل الشيء ضده ، وذلك فاسد . وقال : لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [ التوبة : 66 ] ، وقال : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ [ التوبة : 95 ] ، وقال : لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [ المنافقون : 8 ] أخبر أنهم كفرة ، وأنهم لا يعلمون لمن العزة ، وأنها لمن ذكر ، ولو كانوا منهم لكانت لهم ، ولا قوة إلّا باللّه . مع ما جعل اللّه ذلك منهم استهزاء ومخادعة وسخرية وأوجب لهم جزاء ذلك ، ولم يجز أن يكون الإيمان هذا وصفه ، ولا قوة إلّا باللّه . وقد قال اللّه : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] لم يجعل لهم كفر باللسان إذا لم يكن عبارة عن القلب ، ومنع ذلك بإيمان القلب ، فثبت أن القلب هو موضع الإيمان ، وباللّه التوفيق . وليس بما يقاتلون إلى أن يشهدوا باللسان دليل أن ذلك هو الإيمان أو لا إيمان بالقلوب ، بل ذلك منهم دليل الإيمان وعبارة عنه ، فيقبل قولهم في الأحكام الظاهرة