أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

261

التوحيد

من ذكرت وبين أعدائه مع كثرة مجاهدته إياهم في نصر دينه وإعلاء كلمته ، وقد ختم عليه لا واللّه ما يفعل ذلك وهو الغني الكريم وهو العفو الغفور وهو الرحيم الودود . مع ما جاءت البشارة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في لحوق العبيد لمن أحبوهم ، ثم كان الذي ذكر أحبّ رسول اللّه فيجعله قرين الشيطان ويحرمه زيارة رسوله ، جل ثناؤه عن هذا الوصف الذي وصفته به المعتزلة والخوارج ، على ظهور هذا الصنيع في جملتهم حتى لا يسلم من ذلك أحد ، ولعله لا يذكر عن خارجيّ أو معتزلي قبض سليما عن ذلك ، وبعيد في الحكمة أن يوفق للصواب في الدين من آثر عداوته في شهوته وآيس من رحمته في أدنى منفعة ويؤثر الخروج من دينه في مذهبه إشفاقا على نعمة يسيرة من الدنيا ويحرم من هو في صد هذا الوصف ، ولا قوة إلّا باللّه . قال الشيخ رحمه اللّه : ثم جملة ما جاءت به الآثار في الوعيد بالتسمية من فسق أو فجور أو عصيان أو ظلم أنها أسماء لخصال ثلاث : منها ما قد يجوز أن يصير في الحكمة على الإشارة إلى الفعل الذي سمّي لأجله به غير فسق ولا غيره من الأسماء الذميمة ، ومنها ما لا يجوز ، ومن البعيد قصد شيئين بينهما هذا التباعد ، فحق ذلك أن يصرف إلى ما لا يرتاب في الاسم والحكم ، وإذ كان على أقسام ثلاثة ولم يتضمن كل الأقسام ثبت الخصوص في ذلك ، فلزم صرف ذلك إلى ما لا يشك فيه ، ولا قوة إلّا باللّه . على أن في الصرف إلى العموم يحقق له التناقض لمجيء أخبار العفو ، فثبت بذلك الخصوص ، ولا قوة إلّا باللّه . أو إذا احتمل الخصوص والعموم بما ينقسم المسمى به ما ذكرت فحق مثله الخوف لا القطع ، فمن قطع جرح مما يوجبه الحكمة عند الشبه ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الدلالة على وعيد الخلود لا يحتمله ما دون الشرك الأمر الذي جبل عليه الخلق من نفارهم عما به الخروج من أديانهم التي اعتقدوها وإن كانوا اعتقدوها عقلا أو حجة أو تقليدا على وجود ما دون ذلك من الزّلات فيهم وإن اختلفت أديانهم ، فدل أن ذا مما جبل عليه الخلق ، بل أيد ذلك العقول ، إذ الاعتقادات تكون عند أربابها أبديات ، ولا كذلك الأفعال التي تشار إليها وعلى ذلك أضدادها ، وكذلك السمع في الأفعال المشارة أنها على الاختلاف ، فعلى ذلك تركها ، فدل ما ذكرنا على خروج مذهب الاعتزال عن الأمر المجبول عليه والمدفوع إليه أيضا بالتدبير ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم نذكر طرفا مما يلزم المعتزلة على مذهبهم الوقف في التسمي بالإيمان ، وهو أن من مذهبهم أن الحد الذي بين الصغيرة والكبيرة من المعاصي غير معروف ليكون المرء خائفا راجيا لا آمنا آيسا ، فنقول : إذ لا أحد منكم يدعي براءة نفسه من كلّ ، ولا العلم ببلوغ الحد الذي يوجب الأمن والإياس ، فذلك تردد الحال بين الكبيرة