أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
262
التوحيد
والصغيرة ، والكبيرة تزيل اسم الإيمان والصغيرة لحقكم الشك في اسم الإيمان وزواله كما لحقكم في اسم الكبيرة والصغيرة ، فإذا منع ذلك الشك القول بالأمن والإياس ، ثم لما منع التسمي بالإيمان ، والذي يدفع هذين واحد ، ثم لما جاز إثبات الاسم مع الخوف ، وأمركم أن المؤمن لا خوف عليه ، ولم لا يخافون من تسميتكم أنفسكم مؤمنين ، الكذب الذي لعلّه كبيرة يزيل عنكم اسم الإيمان ، فيكون بالتسمية من كبر أنفسكم ، وقد حذرتم عن تزكية الأنفس بقوله تعالى : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [ النجم : 32 ] ، ثم تعارضون بالبر والتقوى ، أتشهدون أنفسكم بهما أو لا ؟ فإن شهدوا لزمهم بالخوف في المتقين الأبرار أن يكونوا استوجبوا مقت اللّه والخلود في النار ، فيكون جهنم دار المتقين الأبرار لا دار الفاسقين ، وقد قال اللّه تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ [ الانفطار : 13 ] ، ويبطل الدعاء بقوله : وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ [ آل عمران : 193 ] ، وإن أبوا التسمية بذلك لزمهم مثله في الإيمان ؛ إذ هو اسم لما به النجوة من مقت اللّه كالبر والتقوى . ثم يقال : إنه قد ثبت عن الأنبياء والرسل أنهم كانوا يدعون اللّه رعبا ورهبا وخوفا وطبعا ويزعمون أنهم لم يبتلوا بكبائر ، فقد كان هذا الخوف مم لم يبل بها ، لم لا دلكم أن ليس ترك بيان الحد لما يخاف ويرجى ، بل ذلك لما للّه معاقبة من شاء بالصغائر . ومن قولكم : إن ما يوجب العقوبة يزيل اسم الإيمان ، فاعتبروا بأن لستم مؤمنين على ما أخبرتم في الحقيقة ، واللّه الموفق . وقد قال اللّه تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا [ الحجرات : 15 ] وعندكم المؤمن لا يخاف نقمة اللّه ولا يرجو رحمته ، بل قد استوجب رحمته لو كان مؤمنا وليس للّه أن يعذبه لو كان مؤمنا ، والإيمان هو الذي حملهم على ذلك ، فكيف ألزمتموهم الخوف ؟ وذلك ليس على المؤمن في الحقيقة ، ومنعتموهم على الارتياب في الإيمان ، والارتياب فيه بما رأى الخوف . وذلك بيّن التناقض ، ولا قوة إلّا باللّه .