أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

25

التوحيد

الكون والحدث إن كان مختلفا ، وفي تثبيت الاختلاف بطلان أن يكون الذي في وصف القدم عالما ، أو على ما عليه صفته ، وفي ذلك إثبات حدث العالم بمن ليس كمثله . وبعد ، فإن الكتابة تدل على الكاتب ، ومن لا يدل على كيفيته أو مثله لا يجوز أن يكون ملكا أو بشرا أو جنّا ، فتكون الكتابة غير دالة على مائية الكاتب وكيفيته ولا على مثلها ، وهي تدل على كاتب ما ، فمثله العالم - بما فيه - يدل على محدث ما لا يدل على كيفيته ومائيته ، وكذلك البناء والنّسخ والنّجر والصناعات ؛ لذلك لزم القياس في إثبات صانع العالم بالعالم ؛ بما فيه من العجائب والأشياء التي لا يحتمل كونها إلا بحكيم عليم ، ولا يجب به تعرّف الكيفية له والمائية ، ولا قوة إلّا باللّه . [ دلالة العالم مختلفة على اختلاف جهاته ] قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : والأصل أن دلالة العالم مختلفة على اختلاف جهاته ، دل احتماله الاستحالة والزوال واجتماع الأضداد في عين في حال على حدثه ثم دل جهله بمباديه وعجزه عن إصلاح ما فسد منه أنه لم يكن بنفسه ، ثم دل اجتماع الأحوال المتضادة واتساق جواهر الخلق على الاستقامة على أن مدبر الكل ومحدثه واحد ، ويدل أيضا اتساقه واستقامته وحفظ الأضداد في عين على قدرة مدبره وحكمته وعلمه ، فاختلفت جهات الدلالة فيما عليه دلالات العيان ، فصار دليل إثبات المحدث عجز المحدث ، ودليل علمه لما اتسق جهله بنفسه ، فصار وجود الدلالة به على الخلاف لا الوفاق . وأصل آخر أيضا : أن الضروريات والحاجات هي التي دلت على غير ، فلم يجز أن يحتمل ما احتمل هو لما يحوج إلى غير ثم ذلك إلى آخر إلى ما لا نهاية له ، وذلك فاسد ، واللّه أعلم .