أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

26

التوحيد

أقاويل من يدّعي قدم العالم قال أبو منصور : ثم نذكر أقاويل من يدعي قدم العالم ، على ما عليه من كون شيء من شيء إلى ما لا نهاية له بلا منشئ ، بما كذلك شهده - والشاهد دليل الغائب - فيلزم ذلك في الذي غاب ؛ لأنه لو جاز إيجاب خلاف العيان بالعيان لجاز إيجاب إنسان وجسم بخلاف المعقول ، على أن فيه إيجاب الخروج من التصور في الوهم ، والتقدّر في العقل ، وذلك آية النفي ، فمثله اعتقاد شيء لا من شيء نحو الأوقات ، إنها تقع تباعا ، وقد اعتبرها بما لا وقت يتوهّم كونه إلّا وأمكن توهّم ذلك قبله إلى ما لا نهاية له ، واعتبر أيضا بجواز البقاء بما لا يبقى . ومنهم من يقول يكون شيء بشيء إلى ما لا نهاية له بمنشئ حكيم ، وجعلوه علّة كون العالم ، ومحال كون العلّة ولا معلول ، مع ما لا يخلو من لا يوصف بالقدرة والجود في القدم ، وذلك آية العجز والحاجة ، أو يوصف فيجب المقدور عليه وإفاضة الجود على كل شيء ، وما ذكر من التوهم لهم أيضا . ومنهم من يقول بقدم الطّينة - وهي الأصل - وحدّث الصّنعة . قال أبو منصور رحمه اللّه : فقوله بقدم الطينة لما ذكرنا من رفع كون شيء لا عن شيء ، ثم كان كل شيء حدث عن شيء حدث عند انقلاب الأول وهلاكه نحو ما يحدث من النطفة والبيضة . ومنهم من جعل حدثه بعوارض حلت بالطينة فانقلبت على ما عليه الطبائع من الاعتدال والاختلاف . ومنهم من جعل حدثه بالباري . ومنهم من قال بالأصل وسمّاه هيولى . قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : فجملة ما ذهب إليه هؤلاء دفع ما لا يتصور في الوهم ، ولا يتمثّل في النفس ؛ إذ كذلك وجد ، لم يحتمل قلوبهم إيجاب خلافه . فيقال : أيتصوّر في أوهامكم دفع ما لا يتمثل في النفس ؟ فإن قال : نعم ، كابر ؛ لمشاركتنا إياه في ذي الصّور ، وليس يتصوّر دفعه هذا في أوهامنا ، وإن قال : لا ، بل تقديره ، فيقال له : متى يتصوّر في الوهم قدم الشيء أو بقاؤه بعد التفرّق ، وأن يصير بحيث لا يأخذه البصر . وقد يقول بذلك كله ، ومع ذلك في الأنفس ما لا يتمثل في الأنفس من السمع والبصر وجرى قوى جوهر واحد من الطعام وتولّد قوة الجواهر