أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

247

التوحيد

ثم اضطربت في ذلك الأقاويل . فزعمت المعتزلة والخوارج أن آيات الوعيد أحق بالعموم لها ، هي أبلغ في الزجر والموعظة ، وزعمت المرجئة أن آيات الوعد أحق في العموم لأنه أحق بالذي عرف من صفات اللّه من الرحمة والعفو والغفران فتقع عن الكبائر والصغائر . مع ما يشهد لذلك قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ النساء : 48 ] ، مع احتمال الوعيد للمستحلين ، والوعد لو وجب التخصيص ليجب غيره والوعيد لنفسه ، فهو أولى به بالخصوص . مع ما شرط الدوام ليقع الوعيد ، وذلك آية الخصوص . وليس ذلك في الوعد فيلزم به الصرف إلى المستحلين ، أو إلى أن ذلك جزاؤه لولا الذي معه من الحسنات فيجب لديها المقابلة ، أو أن ذلك جزاؤه وللّه التفضل بالعفو عن ذلك بما علم من رجائه برحمته ، وعلمه بعظيم عفوه ، فلا يحرمه ذلك ، بما ظهر من فضله وإحسانه الذي بعثه على الرجاء ، ولا قوة إلّا باللّه . أو يشفع فيهم الأخيار من عباده ويجيبهم في الاستغفار لهم ؛ إذ بعيد الاستغفار له ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الأصل في ذلك أن اللّه تعالى ألزمه اسم الإيمان قبل ارتكابه مما ارتكب وأزال عنه اسم الكفر بقوله : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [ البقرة : 136 ] ، وقوله : آمَنَ الرَّسُولُ [ البقرة : 285 ] ، فبين بما يكون المرء مؤمنا وحرم على من يقول لمثله : لست مؤمنا بقوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً [ النساء : 94 ] ، وبين رسول اللّه حين سأله جبريل عن الإيمان ، فبين ذلك وحقق له اسم المؤمن بإتيان ذلك ، وكذلك « أمرت أن أقاتل النّاس » « 1 » إلى آخر ما ذكر ، فهذا الآن مؤمن بالكتاب والسنة وما أجمعت عليه الأمة ، وما شهدت له أهل اللغة . ثم اختلف في صاحب الكبيرة لا يزال الذي ذلك وصفه بتعنت المعتزلة وتمرد الخوارج بل يدعى لهم بما آثروا لأنفسهم وأيسوا من رحمة اللّه ، ولم يروا للّه في حكمته جواز العفو عنهم ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم المعاني التي هي للفسق والعصيان والظلم ليست بمضادة للإيمان ؛ إذ الفسق اسم الخروج عن الأمر ، وجائز ذلك على أقسام ثلاثة : يخرج مما هو أمر إرشاد

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها : باب ذمة المسلمين وجوارهم . . ، حديث رقم ( 3001 ) [ 3 / 1157 ] ورواه مسلم في صحيحه ، باب فضل المدينة ودعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . . ، حديث رقم ( 1370 ) [ 2 / 994 - 995 ] ورواه غيرهما ونص رواية البخاري : عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال خطبنا عليّ فقال ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب اللّه وما في هذه الصحيفة فقال فيها الجراحات وأسنان الإبل والمدينة حرم ما بين عير إلى كذا فمن أحدث فيها حدثا أو آوى فيها محدثا فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ومن تولى غير مواليه فعليه مثل ذلك وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه مثل ذلك » .