أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
243
التوحيد
وهو البرء عن كل أنواع الكفر والمعاصي ، والإيمان باللّه تعالى وبجميع ما يؤمن المرء به ، ولا قوة إلّا باللّه . وهذا على قول المعتزلة إذ جعلوا بين الكفر والإيمان منزلة ، واللّه تعالى وعد ما ذكر بالانتهاء عن الكفر ، يلزم أن يكون صاحب الكبيرة مغفورا له ، وخاصة الكافر إذا كان مع الانتهاء من الكفر مرتكب الكبائر ، فيجب بالذي ادعى من العموم في التخليد دفع العذاب والمغفرة ، واللّه الموفق . ثم نقول للمعتزلة : قولكم : لا يسمى صاحب الكبيرة باسم الإيمان ولا باسم الكفر ، ولا يسمونه بما لا يستحق واحدا من الاسمين أو له أحدهما ، ولا تعلمونه أنتم ، فإن قالوا بالأول فيقال لهم : أو قد أتى هو بكل الإيمان أو بعضه أو لم يأت بشيء ؟ لذلك بطل اسمه ، فإن قال بالأول أعظم القول ومنع عنه اسم فعله ، وقد أتى به وجهل بربه حيث لم يحقق ما له اسمه ، ولو جاز ذا لجاز أن لا يكون أحد جاء بالصدق ، عند اللّه في الحقيقة صادقا ، وكذلك قائم وقاعد وذو حال لا يجوز عند اللّه كذلك ، أو اللّه يعلمه كذلك ، وعلى ذلك مضادات التي ذكرنا ، وهذا آية جهلهم باللّه . وإن قال بالثاني فقد شهد اللّه للذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض بأن قالوا : نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، كفارا حقا لزمهم التسمية بذلك ، وهو رأي الخوارج . وإن قالوا بالثالث فهو أبعد ؛ إذ اللّه تعالى سمى المؤمن ببعض كافرا ، فمن ليس معه شيء أحق بذلك . وأيد هذا الأصل وجهان : أحدهما ما ذكرت من قسم اللّه البشر قسمين في أمر الدنيا والآخرة ، فقسمة المعتزلة على ثلاثة أقسام تعدى لحد اللّه ، وحق مثله أن يقال له : اللّه أذن لكم أم على اللّه تفترون ، أو يقال أأنتم أعلم أم اللّه كما قيل لليهود . والثاني أن اللّه تعالى نفى الإيمان في محكم تنزيله عن قوم على تحقيق الكفر إذ قال : وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [ المائدة : 43 ] ، ولم يخطر ببال عاقل أنهم لعلهم ليسوا بكفار ، بل إذا أزيل الإيمان - عمن يكون له فعل الإيمان - فإنما يزال بالكفر ، ولا قوة إلّا باللّه . وإن قالوا لا يعلم له أحد الاسمين ، وله ذلك عند اللّه كفوا مئونة الجدل ؛ لأن ما لا يعلمونه أكثر مما يحصى ، لو لزم محاجتهم فيها ليذهب العمر باطلا ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الأمة على اختلافهم اتفقت على أن لصاحب الكبيرة اسما من الأديان من شرك أو كفر أو إسلام ، فمن أبطلها توقيا أن ينطق بالشك أبطل ما أجمع على القول به ، وشهدوا على مجيء الكتاب به والسنة بما لديه يرتفع الرّيب عمن تلقى السمع وهو شهيد أو له قلب ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم القول بالفاسق والفاجر مطلقا مما يتوزع فيه ، ومن سماه كافرا أو مشركا