أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
244
التوحيد
أطلقه ، ومن سماه مؤمنا أبى ذلك ، وكذلك جحدوا اسم أعداء اللّه ، وأبدعت المعتزلة هذين الاسمين على منع ذينك الاسمين خلافا لما عليه الأمر ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ النساء : 48 ] ، تأويل الخوارج فيه من الخطأ فاسد ؛ لأنه ليس بذنب فيغفر ، وفي هذا ذكر المغفرة ، ولا يحتمل إضمار التوبة لما يغفر بمثله الشرك ، والآية في التمييز بين الذنبين ، وكذلك لا يحتمل قوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ النساء : 31 ] ؛ لما فيه التكفير ، وما لا ذنب لا يكفّر والخطأ لا يحقق الذنب ، والتكفير يكون لشيء يجز به ، ولا يحتمل ما قالت المعتزلة لأن قولهم يمنع تحقيق الشبه ؛ إذ هي تقع من مجتنب الكبائر مغفورة ، وفي هذا إثباتها ، ثم التكفير ، وهم يجعلونها مغفورة لا مكفرة ؛ إذ المغفورة هي التي تستر عليها ، وفي بقائها إلى مدة دفعها ، والمكفّرة هي التي يأتي من صاحبها فعل حسن يكفر به نحو قوله : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] ، وقوله : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ [ الصف : 10 ] ، وقوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ [ البقرة : 271 ] ، إلى ذكر التكفير ، وكذلك قوله : تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [ التحريم : 8 ] ، وأصله قوله : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] . وبعد فإن الآية لا تحتمل قول المعتزلة ؛ لما هم يجعلون المصرّ على الذنب صاحب الكبيرة ، ومن لا يصرّ عليه فهو تائب عنه ، نادم عليه ، وفي ذلك إنه يغفر بالتوبة ، وكل الذنوب تغفر بها . والاثنان جريا بالتفريق من قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ النساء : 48 ] ، وقوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ النساء : 31 ] ، فهو واللّه أعلم أن الشرك لا يغفر إلا بالتوبة عنه ، وغيره يجوز أن يغفر بالتفضل أو يكفّر بغيره من الحسنات ليصح القول مع تحقيق الفائدة لتمييز القرآن ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم للآية وجوه تمنع قول المعتزلة والخوارج . أحدها أنه قال : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ النساء : 31 ] ، وليس في ذلك بيان حكم من لا يجتنب . والثاني أن الكبائر نوعان : أحدهما كبائر في الاعتقاد من أنواع الكفر والتكذيب التي بها اختلفت الكفرة ، وأخرى كبائر الأفعال التي صاحبها مجتنب عنها بالاعتقاد في أن يراها على ما جعلها اللّه عليه من عظم الفعل والذنب ، وهذا اجتناب ، وقد يواقعها بالفعل ، فهو الارتكاب ، وليس في الآية وجها الاجتناب ، فجائز أن تكون : أن يجتنب كبائر الاعتقاد ، وهي أنواع الشرك يكفر عنهما دونها لمن يشاء بم شاء من غير ذلك من الحسنات أو بالتفضل كما بينا في إحدى الآيتين بالتكفير وفي الأخرى بالمغفرة ، ولا قوة إلّا باللّه .