أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

242

التوحيد

اسم الإيمان ما يكفي ذا العقل عن الإطناب . ثم إجماع النقلة في إثبات الشفاعة . وتوارث الأمة في الصلاة على جميع من مات من أهل القبلة والاستغفار لهم والترحم عليهم هو الدليل لمن أبت نفسه تكذيب الأخبار الصّحاح ومخالفة أئمة الهدى ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم قول المعتزلة في تحقيق الإياس من روح اللّه مع نفيهم اسم الكفر ، وقد قال اللّه تعالى : إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [ يوسف : 87 ] ، قول متناقض إذ اللّه جمع بين الكفر والإياس ، فمن أثبت أحدهما لزم الآخر . فإذ ثبت عندنا وعندهم أنه ليس بكافر ؛ إذ الكفر في العرف تكذيب ، وصاحب الكبيرة بالتصديق في حالة يرجو عفوه ويخاف عذابه ، ويعلم أن من أيأسه من رحمة ربه ضالّ جاهل باللّه ، ثبت أنه ليس بمكذّب . وفي الحقيقة الكفر اسم للستر ، وصاحبه لا يستر شيئا من نعم ربه ولا ينكر حقه ، فيبطل أن يكون كافرا ، فمثله الإيمان في العرف والسمع تصديق ، ومعلوم أنه لم يكذب اللّه في شيء ، ثبت أنه مؤمن ، واللّه الموفق . ثم الحق أن يقال : جميع الخوارج والمعتزلة عند ارتكابهم الكبائر كفرة على قولهم ، مستوجبون للخلود في النار ، وغيرهم من أصناف منتحلي الإسلام لأوجه : أحدها أنهم أجمعوا على من رحمه اللّه ، وذلك وصف الكفر بما ذكر من الآية ، وبقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي [ العنكبوت : 23 ] ، فلزم الفريقين اسم الكفر والخلود في النار . وأما المؤمنون بآيات اللّه وصفوه عفوا غفورا رحيما محققين لذلك ، فهم لهم الرجاء ، ولا يجوز لهم الشهادة بواحد من الأمرين ، فتولى كل قول كما قال اللّه تعالى : نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ [ النساء : 115 ] ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني أنهم جميعا ضيقوا رحمة اللّه فجعلوها بحيث لا تتسع لذنب إذ الذنوب التي ليست بكبائر لا يجوز معها التعذيب ، فليس لرحمة اللّه فيما ليس له التعذيب ، ولا لعفوه فيما استغنى عنه بالحكمة ، وجعلوا الغضب والسخط هو الذي يسع كل ذنب في الحكمة يجوز له التعذيب ، فلا عفو إذا على قولهم ولا رحمة ، فحق هذا القول الحرمان . وأما من يصفه بسعة الرحمة وعظيم العفو فحق له المغفرة والعفو ؛ لأن كل كريم يوصف بهذا ، فهو أميل له من الوصف له بما وصفته الخوارج والمعتزلة ، ولا قوة إلّا باللّه . والثالث قال اللّه تعالى : إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] ، ولا يجوز أن يكون الذي به الانتهاء غير محدود ولا معروف الوصول إلى جميع الطاعات والقيام بجميع الأمور بتأخر الحياة على قول الخوارج فتصير بحيث لا انتهاء عنه ، وكذلك على قول المعتزلة ، فثبت أن الانتهاء هو الذي يملكه كله في كل وقت ،