أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

241

التوحيد

الإيمان هو التصديق ، به نؤمن ، وبذلك جرت أحكام القرآن في الحلال والحرام ، وما به قيام العبارات والاشتراك في الجماعات ، والاجتماع في مجالس الذكر والخيرات ، على غير تناكر منهم ، وفيهم القبول بحق المؤمنين ، وكذا جميع ما جرى به الخطاب . لم يوجد معتزلي ولا خارجي ولا حشوى مع ما فيهم أنواع المعاصي والسيئات التي بان لهم أنها كبائر أو لم يبن لهم حقيقتها بخبر في أمر الخطاب أن يكون غير أحد له لما فيه ، فثبت أن الإيمان لم يزل عنه ، وأن الاسم قائم له ، فيبطل بهذه الجملة - التي من دفعها يعلم أنه مكابر معاند - ما قالت الخوارج والمعتزلة ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن اللّه سبحانه أبقى له اسم الإيمان مع تحقيق ما عليه الوعيد في حكمه بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [ الصف : 2 ] ، فأوجب فيه المقت عنده مع اسم الإيمان بحرف العتاب الذي لا يحتمل النطق قبل مقارفة الذنب بقوله : لِمَ تَقُولُونَ [ الصف : 2 ] ، والمقت لا يوجب الذنب الذي في الحكمة لزوم المغفرة له ، وقال : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [ الحجرات : 9 ] ، أثبت لهم اسم الإيمان مع إلزام اسم البغي لأحدهما في القتال ، وألزم من حضر موته المبغيّ عليه حتى يرجع الآخر إلى أمر اللّه ، ولو كان ذلك خروج من الإيمان لكان الحق في مثل ذلك غير الذي ذكر . وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [ البقرة : 178 ] ، ومعلوم أنه لا يجب إلا بقتل العمد ، فأثبت لهم في ابتداء الآية اسم الإيمان ، وأبقى بينهما الأخوّة ، وأخبر أن ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ، وتبعد هذه الأوصاف فيمن أخرجهم الفعل من الإيمان . وقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [ الأنفال : 72 ] ، ثم قال : وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ [ الأنفال : 72 ] ، أثبت لهم اسم الإيمان ، وجمع بينهم في الدين على تخلفهم عن الهجرة مع عظم ما فيه من الوعيد بقوله : الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [ النساء : 97 ] ، وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [ الممتحنة : 1 ] ، وقال أيضا : لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [ الأنفال : 27 ] ، فأثبت لهم اسم الإيمان مع قبح صنيعهم ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن اللّه تعالى قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [ التحريم : 8 ] ، وقال : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [ النور : 31 ] ، أخبر أن عليهم ذنوبا تغفر بالتوبة ويكفّر بها على إبقاء اسم الإيمان ، وفي قول هؤلاء لا يجوز ذلك ، فثبت أن القول هو قول من لم يزل عنهم اسم الإيمان ، ولا قوة إلّا باللّه . ونوع آخر أن اللّه تعالى أوجب كثيرا من العبادات باسم الإيمان وجعل علم الحلّ والحرمة في كثير من ذلك اسم الإيمان وزواله ، ثم شارك من أحدث أفعال الفسق مع الإيمان فيها غيره ، ثبت أن اسم الإيمان غير زائل عنهم . مع ما قد تقدم بيان ما له