أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

24

التوحيد

مسألة [ في وجه دلالة الشاهد على الغائب ] قال أبو منصور رحمه اللّه : ثم اختلف في وجه دلالة الشاهد على الغائب ، فمنهم من يقول : على مثله ؛ إذ هو أصل للذي غاب عنه ، ولا يخالف الأصل فرعه ، مع ما كان طريق معرفة الغائب الشاهد ، وقياس الشيء نظيره ، فبه أثبتوا قدم العالم ؛ إذ الشاهد يدل على مثله ، فصار الغائب به عالما أيضا ، ثم هو يدل في كل وقت على مثله قبله ، وفي ذلك إيجاب القدم للكل . ومنهم من يقول : ما من وقت يتوهّم فيه ابتداء العالم إلّا وقد يتوهّم قبله فيبطل له الغاية . ومنهم من يقول : يدل على المثل والخلاف ، ودلالته على الخلاف أوضح ؛ لأن من شاهد شيئا من العالم يدله على حدثه أو قدمه ، وقدمه وحدثه ليس هو مثلهما ولا نظيرهما ، ثم يدله على محدثه أو كون بنفسه ، وهما خلافه ، ثم يدله على حكمة فاعله وسفهه ، واختياره وطبعه ، وكل ذلك خلاف لما شاهده ، ولا يدله على أن له مثلا ؛ إذ لو كان يدله لكان يجب أن يتوهم كل من عاين نفسه أن يكون كل العالم مثله ، وذلك بعيد ، فثبت أن الجوهر لا يحقّق رؤية مثله غائبا ، ويحقّق أحد الوجوه التي ذكرناها ، لكن إذا عرفت كيفيّة المشاهد ، إذا أخبرت بتلك الكيفية لغائب ، علمت أنه مثله ، لا أن ذلك يحقّق المثل ، وقد يجوز أن يدل على مثله بهذا الوجه وبما عرف يعني الجسم والنار ، فيعرف كل جسم ونار وإن لم يشهده ، ولا قوة إلّا باللّه . وما زعم من الأصل والفرع فمقلوب ؛ لما كان القديم والقدم ولم يكن ما به استدلال ، فلذلك لم يجب جعله فرعا لهذا ، بل هو الأصل لكون هذا به . ثم كل كائن بغيره - من طريق العقل - خارج عن جوهره في الشاهد كالبناء والكتابة ، وكل أنواع الأفعال والأقوال التي هي أغيار لمن كنّ بهم ، لم يجز أن يلحقهم بالجوهر والصّفة ، فمثله الذي به العالم . على أنه جاز في الشاهد إثبات ما لا يدرك ولا يحاط به نحو السمع والبصر والروح والعقل والهوى ونحو ذلك ، وما يدرك نحو الأجسام الكثيفة ، فلو كانت هي قديمة الأصل فيجب أن يكون كل نوع يتولد ويحدث من جوهره : العقل من العقل ، وكذلك البصر والسمع ، ومعلوم الاختلاف بين كل جوهر والمتولد منه في ذلك ، فلزم