أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

238

التوحيد

وخوفا وببكائهم على ما كان منهم من الزلات وتضرعهم إليه حتى أجيبوا في دعائهم وأعطوا سؤلهم ، ولو لم تكن ذنوبهم بحيث احتمال التعذيب عليها في الحكمة ، أو كان عليهم من ذلك خوف التعذيب لكان في ذلك تعدى الحد والوصف بالجود والتعدي منه وذلك أعظم من الزلات . فهذا ينفي قول المعتزلة في إثبات المغفرة في الصغائر وإخراج فعل التعذيب عن الحكمة ، وقول الخوارج بإزالة اسم الإيمان عنه ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم القول في جعل الصغائر كفرا أو شركا أو التخليد في النار جزاء لها قول مهجور ؛ بما يسقط معنى تسميته عفوا غفورا رحيما ؛ إذ لا يسعه مأثم ولا زلة بلا توبة ، ويوجب به المعاداة بعد أن عرفه عفوا غفورا كريما ، وعادى لأجله من أزال عنه هذا الاسم إلى كل ما يوصف كل قاس وكل لئيم ، وبه يستحق الذي قال ؛ إذ هذا أعظم الذنوب ، حيث صفات الرب ، ثم بما بلي به الأنبياء ، فيكفر بهم في تلك الأحوال ، ومن كفر بنبيّ في وقت فهو كافر لا ريب فيه . ثم بهذا وصف الرب بالجود لما فيه إبطال الحسنات بزلة ، والعدل هو الذي يجزى بالإحسان والإساءة فيما أظهر عز وجل من كرمه ، ثم التجهيل بما لم يعرف من يصلح للرسالة ويقوم بأداء الأمانة ، ثم بما لا أحد عنه ، فيكون في الذي ذكر تكليف ما لا يطاق ، ثم ينقطع منه الخوف والرجاء ويحصل الأمر على الأمن والإياس ، وقد شهد عليها بالضلال والكفر ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم نذكر ما قيل في الكبائر فإنها إذ صارت بحيث احتمال العفو فما دونها أولى ، وبما للقول به فيها على الاختلاف أثر بيّن في الأمة ، فصرف الكلام إليه أحق ، وباللّه التوفيق . مسألة [ اختلاف علماء الأمة في مرتكبي الكبائر من المسلمين ] ثم اختلفت الأمة في مرتكبي الكبائر من المسلمين ، دفعته إليها الغلبة من شهوة أو غفلة أو شدة الغضب والحمية أو رجاء العفو والتوبة من غير استحلال منه ولا استخفاف منه بمن أمر ونهي . فمنهم من جعله كافرا ، ومنهم من جعله مشركا ، ومنهم من جعله غير مؤمن ولا كافر ، ومنهم من يجعله منافقا . ومنهم من جعله مؤمنا على ما كان عاصيا بما فعل ، فاسقا به من غير أن يطلق له اسم الفسق والفجور إلا مع من يعلم ما به سمي ذلك ، ويرى أن يكون للّه تعذيبه بقدر ذنبه والعفو عنه بما علم منه من الصدق له في العبودة وغيره من الحسنات .