أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

239

التوحيد

ومنهم من وقف في الوعيد إنه أريد به المستحيل أو غيره ، ورآه واجبا ، فتفريق من ذكرت بين الصغائر والكبائر فيما يثبت في الصغائر من إمكان العفو أو إبقاء اسم الإيمان أوجب صرف الوعيد إلى الكبائر ، وما يثبت من ذكر جزاء الكفر والشرك ونحوه يوجب تحقيق اسم الشرك . وقول قوم : والكفر على قول ، وأيد ذلك قوله : إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [ يوسف : 87 ] ، وقال : وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [ الحجر : 56 ] ، مع ما كان صاحب الكبيرة حاكما بغير الذي أنزل اللّه ، وتاركا الحكم به ، وقد قال اللّه تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] . وبعد ، فإنه قد سمي بالأسماء التي سمى اللّه بها الكفرة من الفسق والفجور والظلم لزمه أيضا اسم الكفر ، مع ما قسم اللّه البشر الذين جرى عليهم القلم فيما عليه أمرهم في الدنيا والآخرة فقال : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] ، وقال : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29 ] ، وقال : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ [ الأنعام : 125 ] ، وقال : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ [ النحل : 93 ] ، وقال : أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [ السجدة : 18 ] . ثم بيّن كفر المسمى فاسقا ، وقال في أمر الآخرة : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : 106 ] ، وقال : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [ الحاقة : 19 ] ، فجعلهم جميعا متسمين ، فلا ثالث في التحقيق . مع ما بيّن أن النار أعدت للكافرين . فإذا ثبت الوعيد لصاحب الكبيرة جعله كافرا . وبعد ، فإن اللّه تعالى وصف أنه لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون ، وقد لزم ألا يأس على قول هو لا لزمه اسم الكفر ، على أن الأسماء لا منافع لها ولا مضار بها على أهلها ، إنما المضار والمنافع في حقائق ما لها الأسماء ، فإذا لزم الخلود في النار بطلت فائدة الاسم إن كان مؤمنا أو كافرا لا يمنع عنه اسم الكفر إذ عوقب بعقوبته ، ولا قوة إلّا باللّه . وألزموا الوعيد بما في الرفع لحوق الكذب ، واللّه يجل عن ذلك ، وكل الذي ذكرت يلزم المعتزلة في منعهم تسمية الكفر . على أن قولين من أقاويل منتحلي الإسلام حصلا في حق الأسماء على عبث وإبطال ما جبل عليه البشر من جلالة قدر الإيمان في قلوبهم ، وعظم اللّه دين الإسلام في العقول ، فصيّر أحد فريقي الإسلام اسم الإيمان لكل خير يقطع فزع تبدل دين الإسلام ، وأزال جلالة قدره حيث أشركوا في اسمه كل شيء مما يحتمل أن يكون له اسم الخير . فاشترك في هذا الحشوية والمعتزلة ، وانفردت المعتزلة بمنع اسم الكفر عن أصحاب الكبائر ، على تحقيق جميع ما في الكفر من العقوبة في ذلك ، فلم يحصل لهم بما تحرجوا عن التسمية بما كان