أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
229
التوحيد
على نسبة شيء من ذلك إلى اللّه في الحقيقة ، والمجوس يثبتون لإبليس القدرة على خلق الشر باللّه وينفونها عن اللّه ، وكذلك قول المعتزلة في قدرة أفعال الخلق ، ولا قوة إلّا باللّه . والمجوس لا تجعل لإبليس على شيء مما للّه من العالم قدرة ، ولا للّه على شيء مما للخلق لإبليس ، وكذلك أمر المعتزلة ، لكنهم جعلوا لجميع الأحياء ذلك ، والمجوس لإبليس خاصة . والمجوس لا تجعل للّه إرادة ولا سلطانا فيما ليس فيه أمر ، وكذلك المعتزلة . والمعنى الذي دعا المجوس إلى القول باثنين ما استقبحوا من إضافة خلق الشر وفساد الأشياء إلى اللّه ، وكذلك المعتزلة . ولو عرفوا حق معرفة الربوبية أنه في وضع كل شيء موضعه ، وأنه المتعالي عن أن يكون فعله لنفع له أو لخير يكتسب لنفسه لعلموا أن الوصف بخلق الكل على ما عليه وصف القدرة والجلال ، والقول به قول بتمام الملك والكبرياء ، ولا قوة إلّا باللّه . وعبارة أخرى مما تبين أن المعتزلة أحق من يتعالى بالاسم من أهله ، ما أنطق اللّه به ألسن الخلق بالنسبة إليهم صغارهم وكبارهم من علم ما تحت الاسم أو جهله مثبت أن ذلك صار لهم لقبا لا من حيث صنع للبشر فيه ، ولكن بفضل اللّه ، ليعلم به أهل الذمة في الدين ، فيحذر مخالطتهم . ولهم في ذلك علمان ظاهران : أحدهما في لون كل منهم على حسن خلقته وقبحها أن يظهر في وجه كل منهم الصفرة الباردة التي تستقبحها الأبصار ، إذا قوبل ذلك بوجوه المجوس لوجدوا سواء . والثاني تخلفهم عن جماعات المجوس وإنكار عامتهم دار الإسلام من أن تكون دارهم ، ولا قوة إلّا باللّه . ولتحقيق هذا الاسم لهم أيضا وجهان : إن كل ذي دين ومذهب نسب إلى المعنى الذي ادعاه لنفسه بحق الإسلام واليهودية والنصرانية ونحو هذا ، وكذلك المعتزلة يرون قدر أفعالهم لأنفسهم ، وغيرهم يرون ذلك منه ، فمحال أن يشتهر به من رآه لغيره ، ويزال عمن يدعي حقيقته لنفسه ، وبمثله جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في شرط الإيمان بالقدر خيره وشره من اللّه « 1 » . والوجه الآخر هو الأمر المعروف الذي لم ير معتزليا سلم عما يزيل عنه اسم الإيمان والتحلي بحلية الإسلام من ارتكاب الكبائر بالشهوات مما يبين استخفافهم بدين اللّه واختيارهم الخروج منه بأدنى شهوة أعطوها لأنفسهم ، فهم أحق من ينسب إلى غير دين اللّه ، إذ هذا شأنهم في دينهم الذي هو عندهم دين اللّه ، ولا قوة إلّا باللّه .
--> ( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ، حديث رقم ( 6111 ) [ 6 / 173 ] والبيهقي في شعب الإيمان ، الخامس من شعب الإيمان ، حديث رقم ( 180 ) [ 1 / 201 ] ورواه غيرهما . ونص رواية الطبراني هي : « . . والإيمان بالقدر خيره وشره من اللّه . . » والحديث رواه مسلم بلفظ : « . . وتؤمن بالقدر خيره وشره . . » ( الصحيح ، باب بيان الإيمان . . ، حديث رقم ( 8 ) [ 1 / 36 ] ) ورواه غيرهما .