أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
230
التوحيد
ثم ذكر الكعبي أن من عادة العرب تلقيب من يلهج بشيء فيكثر ذكره في غير موضعه حتى يجاوز الحد فيه ونسبة ذلك إليه ، وهم يفعلون ذلك حتى قالوا في كل فاحشة وأمر ذميم هذا قدر اللّه . قال الشيخ رحمه اللّه : أخطأ في هذا القدر من الدعوى من أوجه : أحدها ما حكى عن العرب ، والثاني ما حكى عنهم ، هم لا يقولون ذلك وإن كان يقوله فلا يقوله من بهم يعرف أسماء النّحل ، إنما يذكره العوام ، فأما الخواص فهم لا يذكرون ذلك ، بل يكرهون ذكر ذلك خشية أن يذكر على الاعتذار فيما لا عذر لهم ، والعرب لو عملت الذي قال ، إنما عملت فيمن ظهر على التلقيب لا للتحقيق ، ونحن فيما حقه التحقيق لما عن رسول اللّه جاء ذلك قدم أهله ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا إن الذم جاء من عند رسول اللّه ، ولم يكن في ذلك الوقت من يعرف بهذا الفعل ، ولا كانت النّحلة التي أبدعت العرب لها الاسم ، فلا يحتمل الاسم الذي قال لهذا ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم سأل عنا سؤالا دل على حيرته فقال : نسبتم إليه بقولكم : لا قدر ، فأجاب بأن لا ينسب الشيء إلى النافي . قال الشيخ رحمه اللّه : وما قاله صدق ، وإنما ينسب إلى المدعي والمثبت لنفسه ، وهو حيث يقول تخرج الأفعال على قدره الذي قدر لها . ثم قال : لو قيل أثبتم ذلك بقولكم : نحن نقدر أعمالنا ، قال : لا يجب لوجهين : أحدهما أن الاسم منه مقدّر ، والثاني أنه لا تمانع له في القول إنه يقدر صلاته وثوبه وداره وأمر سفره ، فيجيب أن يكونوا كلهم قدرية . قال أبو منصور رحمه اللّه : فأما الحرف الأول مقدر ، وقدر واحد . وبعد ، فإن الفعل في النصراني واليهودي التنصر والتهود ، والاسم على ما يرى ، فمثله في القدر . والثاني قد يسمى اللّه تعالى بذلك ، ثم لا يقال " قدري " ، فثبت أن ذلك يرجع إلى أمر خاص ، وإلى معنى فيما إليه ، فإن كان إلى أمر خاص فهو في الدين ، ومن نسبه إلى نفسه فهو أحق به ، وإن كان المرجع فيه إلى المعنى فهو لا فهم على ذلك القول يرون حقيقة الخروج على قدر اللّه لا على قدر العبد . والمعتزلة تزعم أنه على قدرهم يخرج ، واللّه الموفق . وما قال من العرب فيجب أن يكون المعتزلة لهم اسم الجبرية لكثرة ما يجري على لسانهم اسم الجبر ، ولا قوة إلّا باللّه . مع ما نسب إلى المجوس ، وهم لا بكثرة القول سموا به ، ولكن بحقيقة المذهب ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم سئل عن وجه تسمية الحشوية لهم قدرية فزعم أن ذا من خطئهم نحو خطئهم