أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
206
التوحيد
اللوح إن وصل فأجله كذا ، وإن لم يصل فكذا . ثم رجع إلى سفهه وعارض بالموهوم المطلق . فإن قيل : في ذلك دفع المنع لا غير ، وفي القدرة الفعل ، فقال : وفي القدرة دفع العجز لا غير ، وقال : لو أوجبت القدرة لأدخلت فيه ولحملت عليه ، ويكون إذ ذاك الفعل لغيري . قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : من تأمل ما قال وما قوبل به أيقن أنه حائد عن حد الجواب ، لكنا نذكر غفلته فيما جا [ د ] به ليعلموا عذره في جميع ما فرق به خصومه ؛ إذ هذا مبلغ علمه في اللّه سبحانه . ونقول له : اللّه علم أنه يقتل أو لا ؟ فإن قال : يعلم ، قيل : وقتله يزيل حياته ويذهب عمره أو لا ؟ فإن قال : لا ، كذّبه الوجود ، وإن قال : نعم ، قيل : كيف جعل انقضاء عمره وخروج روحه من جسده بغيره ، ولو علم ذلك ؟ وكيف كتب في اللوح أنه إن فعل كذا يكون كذا ، وإن لم يفعل كذا يكون كذا ؟ وهذا أمر من لا يعلم ما يكون ، فأمّا من يعلم ما يكون فهو يكتب : يكون كذا ، ولولا أنه يكون كذا ، وكذا يكفر فلان ويستوجب مقت اللّه ، ولولا أنه يكفر كان يؤمن ويستوجب محبة اللّه . فأما القول بيكون ذا أو ذا ، من غير القطع بما يكون إنما هو فعل الجهال بالعواقب . ثم أنّى يكون ذا خبرا عن علم ثبته قبل كونه ، وكل الناس يعلمون هذا القدر : إن فلانا إما يقتل أو يموت ، يؤمن أو يكفر ، يتحرك في وقت كذا أو يسكن . فهذا القدر من اللوح هو لوح كل سفينة ولبس هو اللوح المحفوظ ، ولكنه اللوح المضيع ، ولا قوة إلّا باللّه . وقوله : لو حضر أجله فإن أجله ليس بغير القتل فيما كان في علم اللّه ، وهو كما في علمه أنه يقتل ، ولكنه بالقتل المنهي عنه أو المأمور به على ما في علم اللّه ، وهو كما في علمه أنه يؤمن ويكفر ، فذلك في علمه ، وكل داخل فيما علم اللّه عاقبته أنه إلى ما ذا يرجع ، وإن كان في علمه أنه لو لم يفعل ذلك ما ذا تكون عاقبته أنه إلى ما ذا يرجع ، فمثله الأجل . وعلى ذلك إذ علم اللّه أنه يصل رحمه فجعل عمره أكثر مما كان في علمه أنه لا يصل ، وكذلك أمر الآية ؛ إذ محال أن يكون ما يفعله خارجا من علمه ، والذي قالوا : هو ذلك في المعقول . وللآية قال أهل التأويل : يبيّن منتهى عمره ، وعلى نقصان كل وقت يمضي من عمره . وقال قوم : إنما هو في مختلف أعمار الخلق من بين مطوّل ومقصّر ، لا أن اللّه يجعل لأحد عمرا ثم تبدو له فيزيد أو ينقص كفعل الجهال ومن في أمورهم على شك ، ولا قوة إلّا باللّه . واللّه تعالى يقول : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 34 ] ، وفيما يقول لا يجئ أجلهم بل يقتلون قبل مجيء أجلهم . واللّه أيضا لا يزيد في العمر ، وكيف يقدر أن يزيد في عمر آخر بصلة الرحم من لم يقدر بإبقاء ما ضمن عمره أن يبقيه إلى وقت كذا ، بل أقدر عدوه حتى منعه عن ذلك ، جل اللّه عن هذا الوصف .