أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

207

التوحيد

ثم يقال له : ما ضرب من المدة له ألا كان في اللوح أنه يبقيه إلى ذلك ، أو يبقى هو إلى ذلك ، أو يبقيه ويبقى إن لم يقتل ؟ فإن قال بالأول والثاني فادعى عليه الكذب في خبره والخلف في وعده ، وإن قال بالثالث قيل : أكان يعلم أنه يقتل أو لا ؟ فإن قال : لا ، استحق الإبانة بين رأسه وجسده ، والخلود في عذاب ربه ، وإن قال : نعم ، قيل : لم كتب ما لا يعلم ؟ إذ ذلك في العرف صنيع الجهال مما تأبى عقول من عرف الرب التفوه به ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم يعارض بمن علم اللّه أنه لا يقتل ويريدون قتله ويؤثرونه ويقصدون قصده لجميع ما يحتمله وسعهم ، ثم يكون على ما علم ، وهذه أسباب لا تجد أحدا يكون منهم لا يقع الفعل به ، وفي الوقوع كذبه ، إلا أن يقول : يمنع ، فيلزمه في كل من يعلم اللّه أنه لا يكون المنع مع القوة ، وإذا لزم ذلك لزم الدفع في كل ما يعلم أنه يكون إذا لم يرض به العبد ، فيكون كل خير وشر بالمنع والدفع الذي ظنوا بهم أن قول خصومهم يؤدي إليه هو الذي حملهم على رأيهم ، ولا قوة إلّا باللّه . وما ذكر من الإطلاق والتخلية فهو كلام يتوجه أوجها ثلاثة : رفع العسر والمنع أو الأمر به أو الإباحة ، وذلك كله في الخير مطلق وفي الشر لا إلا مقيدا ، إنه لم يعسر ولم يجبر ، وإذا كان كذلك فمعارضته بالذي ذكر فاسدة . وما أجاب عنا بالمنع فحق قال اللّه تعالى في قوله : فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [ التوبة : 5 ] بعد ذكر المنع ، وما يحمد من قول الناس : اللهم قوّنا على طاعتك ، ولا يحمد : اللهم خلّ بيننا وبين طاعتك ، ثبت أن لأحدهما حالا ليس للآخر . وكذلك هو يقول بالفعل وقت فناء القدرة ، ولا قدرة معه ، ولا يقول بارتفاع الإطلاق والتخلية وقت الفعل ليعلم بذلك بعده فيما قدر ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم تكلم في سؤال الرزق بوجه لا يرضى به سؤال ، بل الوجه في ذلك أن اللّه تعالى إذ ضمن الرزق بقوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] ، كان ذلك يملك بملكه أو بما يطعمه . فأما أن يكون لأحد قدرة في منع اللّه عن وفاء ما ضمن من الوجه الذي ضمن حتى يلحقه الخلف في الوعد والعجز عن وفاء شيء ضمنه ، فيكون اللّه في فعله تحت قدرة غيره ، وبغيره يقدر على إنجاز الوعد ووفاء العهد ، وهذا أمر عظيم ، أو لا يكون ، فيبطل أن يكون أحد يرزق بما هو في الحقيقة رزق غيره من ذلك الوجه ، أو يقدر عليه ، ولو كان ذلك فيما القدرة معه لكانت هذه الوحشة تلحقه ؛ إذ علم أنه من ذلك الوجه يطلب رزقه . قال : سأل الورّاق فقال : يقال لهم : هل اتقى أحد معصية اللّه وهو قادر مراقبته للّه ؟ فإن قالوا : لا ، أعظموا القول في وصف الأنبياء ، إنهم لم يفعلوا ذلك ، وإن قالوا : نعم ، لزمهم القول بها قبل الفعل .