أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
205
التوحيد
قال أبو منصور رحمه اللّه : فيقال له : القدرة إذ لا تحتمل الفعلين ولا تركهما ، وما عارضت به محتمل ، ثبت أن القدرة مخلوقة لأحدهما لا لهما ، ثم لا يحتمل المخلوق بجهة واحدة قلبها عنها من نحو الذي ذكرت مما يسخن به ويبرد ، لم لا دل أنها خلقت لأحدهما ، وهو ما كان بها ، ويبيّن لك العرف الظاهر في الخلق بسؤال القوة على الخير ، ولو كانت لا تحتمل الشر لكان لا معنى لتخصيص ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم عارض نفسه بالغنى ، فقال : معاذ اللّه ؛ لأنه المغنى . وعارض بالسيف والدرهم . قال الشيخ رحمه اللّه : وقد حاد عن ذلك ؛ إذ القوة لا تحتمل البقاء ، وبها أوجب الحاجة ، فإذا استحال ذلك لزم ما عورض به عن الغنى ، ولا قوة إلّا باللّه . وما قابله به فالوجود لا يديم النفع ، بل يديمه البقاء ، وله الحاجة إلى الإبقاء ، وليس ذلك في القوة ؛ فلذلك لزمك الذي تعوذت منه ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم سأل عن خصمه سؤالا بتره ، وإنما هو - واللّه أعلم - أن المعتزلة تزعم أن اللّه تعالى يجعل لعمر الرجل مدّة بها ينقضي ، وإبقاؤه إلى تلك المدة فعله ، وهو يريد أن يفعل ذلك ، وقد كان قدّر له في تلك المدة أرزاقا ، ثم أثبت لعبد من عبيد اللّه قوة يمنع بها ذلك الرجل عن استيفاء مدته التي جعلها اللّه له ، ويمنع رب العالمين عن إنجاز ما وعده ويحول بينه وبين فعله من إبقاء حياته في جسده ، وهو يريد ذلك ليكون من فعله بما يقتله عدوّه منعا منه ربه ، فيكون في ذلك خلف الوعد ، وقهر ومنع عن فعله ، وكل ذلك يكون بما أقدره هو عليه ، وذلك لعجز وخلف وسنّة في المعقول أو لا . أجاب لجواب المسلمين أن المسألة فيما يقال في كل أمر لو لم يكن ذلك كيف كان في علم اللّه أن يكون ؟ وذلك القول عند المسلمين على تحقيق أن الكائن في علمه ذلك ، فإن كان في علمه وقدرته أن له أن يجعل في الابتداء غير تلك المدة ، ولو جعل ليكون ذلك في علمه لا هذا الذي كان ، ثم رجع إلى حقيقة قوله وقال : لو كان الظالم إنما قتل لحضور أجله لم يكن معلوما ، وقد يحمد أيضا في ذبح شاة لآخر ، إذ لولا ذبحه لكانت تموت . ثم عورض بأنك تشهد أنه لم يحضره أجله لو لم يقتله ، فقال : معاذ اللّه ، بل لعله يقتله غيري أو ينقضي أجله . ثم احتج بقوله عز وجل : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ [ فاطر : 11 ] ، وبقول رسول اللّه عليه السلام : « صلة الرحم تزيد في العمر » « 1 » ، فأخبر أن له مقدارا معلوما يزيد فيه بالصلة ، فيكون في
--> ( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ، باب من اسمه إبراهيم 1 ، حديث رقم ( 943 ) [ 1 / 289 ] والقضاعي في مسند الشهاب ، حديث رقم ( 100 ) [ 1 / 93 ] ورواه غيرهما .