أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

203

التوحيد

يأخذ منه تلك القدرة ، فثبت أنه بها يقدر ، وهي التي تزول عنه وتعود إليه ، وهذا نعت الأجسام وحقيقة الأعراض ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني أن اللّه تعالى لما أقدر عبده على إتلاف شيء ذهبت عن اللّه قدرة الإبقاء الذي يريد ذلك ، والإبقاء فعله ، فصار عن فعله الذي هو في الحقيقة فعله ممنوعا ، ومن احتمل المنع لغيره يحتمل الإطلاق به ، وفي الأول إعجاز وفي الثاني إقدار ، وجبا جميعا له بغيره ، جل اللّه عن ذلك . ثم قال الكعبي : إن قال قائل : لو جاز أن يبقى القادر وقتا لا يفعل فيه لم لا جاز كذلك أوقاتا كثيرة ، كما يوصف بذلك اللّه تعالى . قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : وقد أخطأ في التقدير ، وإنما السؤال فيه من وجهين : أحدهما أن القدرة إذ ليست إلا للفعل ، وقد تخلو عنه وقتا جاز أن تخلو عنه أوقاتا ، وقد حققت هذا الوصف للّه . والثاني أنه للوقت الثاني من وقت القدرة ليس بواجد لها ، وجاز الفعل بها ، لم لا كان للوقت العاشر كذلك ؟ وإن لم يجدها ، أو إذ لم يجز الفعل بها بعد فنائها بأوقات وجب أن لا يجوز بوقت . فأجاب عن الأول أن اللّه كذلك بما لا تتضاد عليه الأفعال ويقدر على ما لا ضد له ، والعبد لا يقدر على ما لا ضد له ؛ لذلك لم يجز أن يوجد أوقاتا غير فاعل . فيقال : وما فيما ذكرت ما قوبلت به ، بل قيل لك : ما منع أن يكون من يتضاد عليه لا يجوز وجوده ، ولا فعل شيء أو ضده وقتا واحدا ، ومن لا يتضاد عليه يجوز ، ثم يقال : للتضاد لا يجيز وقت القدرة أو له يوجب في الوقت الثاني ، فأي الأمرين أجاب فهو في الحالين واحد . وما قال على اللّه فهو فاسد ؛ لما ليس عنده فعل اللّه غير خلقه ، وهو متضاد كالموت والحياة ، وغير ذلك . ثم أجاب بأول أحوال الجسم أنه يخلو عن الحركة والسكون لم لم يجب به خلاؤه عنهما أوقاتا ؟ قال أبو منصور رحمه اللّه : فنقول وباللّه التوفيق الحركة والسكون هما اسما البقاء ، فمحال وجودهما في أول أحوال الجسم لإحالة البقاء ؛ إذ السكون هو القرار حيث الوجود ، والحركة الانتقال عنه ، والقدرة ليست إلا للفعل ، ولو جاز وجودها ولا فعل وقتا واحدا لجاز أوقاتا ؛ إذ هي له ، والجسم ليس للحركة ولا للسكون ، وهما معنيان لا يقتضيان الحال . ألا يرى لأوقات البقاء لا يخلو عنهما ، ثم القدرة لا تبقى ، فيجب أن لا يخلو منه عند الوجود ، ولا قوة إلّا باللّه . وبعد ، فإن مسألتنا في الفعل ، ونجيز من الجسم وقت وجوده إذا لم يكن الفعل الذي هو اسم للبقاء ، ولا قوة إلّا باللّه .