أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

199

التوحيد

فمثله الذي ذكرت . وإذ جاز أن يراه موجودا ، ومعه الأسباب كلها ، ولم يبعد ذلك ، فمثله القوة ، بل كذلك يجب أن يرى ، كما كذلك يجب أن يرى مع الأسباب . وجملته أن للفعل وقت العدم وهو قبله ، ووقت الفناء وهو بعده ، ووقت الوجود وهو في حاله ، ولا محالة يراه اللّه مع أحوال فعله على ما ذكر لا غير ، وكذلك الأوقات التي تقع فيها الأفعال والأمكنة ، فعلى ذلك الأسباب ، فمثله القوة يراها معدومة قبله ، فانية بعده ، موجودة معه ، ولا قوة إلّا باللّه . واحتجاجه بقوله : أو لا يستطيع أن يملّ هو ما سلف بيانه ، مع احتماله لا يحسن ، وهو استطاعة العجز . أيضا دليل ذلك ما بيّنا أن قدرة التمام لا تكون قبل الابتداء ، وقد أضيف إليه الكل ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم قال أن لا يؤمن حتى يقدر ، ولا يقدر حتى يؤمن ، فهو يبقى أبدا غير مؤمن ، كالواقع في البئر إذا كان لا يخرج حتى يأتيه الحبل ، ولا يأتيه حتى يخرج . فجواب هذا قد تضمنه ما ذكرت من الأشياء التي تقع مع أسباب لها لا تتقدم ولا تتأخر ، ثم لم يقل ذلك للعلم بأنها تقع إذا لم يعقل عنه ولا يعرض ، فمثله الذي ذكرت . والأصل الذي زعم إنما يعظم وجوده إذا جعل كل واحد منهما يوجد بوجود الآخر متقدما ، فأما وجود ذلك معا فعليه أكثر أمر الدين والدنيا من وجود شيئين معا لا يجوز تقدم أحدهما على الآخر . ثم عارض نفسه بالإلقاء على ما سبق وصفه وتكلف إجابته بما لو رزق الحياء ما سمحت له نفسه بالتفوّه به ، فقال : إن إلقاء الشيء هو خروجه من يده ، لا غيره ، والاستطاعة غير الفعل . فمن نظر إليه يعرف كذبه ؛ فإن الإلقاء هو الخروج لا غير بالبديهة بلا تأمل ، وإذا لم يكن غير ، فإذا ليس ثمة إلا الخروج مما ألزمه الفعل ، ويجوز كون الخروج ولا صنع معه له ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم احتج لخصمه بما يشبه جوابه هذا [ . . . ] « 1 » لعله نفعه ، ثم احتج لخصمه بقول المساول القيام بحاجته لا أستطيع ، وهو ممن لا علّة به ، فزعم أنه لا يريد به نفي القوة ، إنما يريد نفي النشاط ؛ دليل ذلك ما يعود عليه السائل بالقول فيقول : بل تستطيع لكنك لا تنبسط بمعونتي ، وقد قسمت بحوائج فلان ، فكيف تقول لا أستطيع ؟ قال أبو منصور رحمه اللّه : له جوابان : أحدهما أنهما جميعا صدقا ؛ إذ عدم النشاط يرفع القوة ، وأمكن القيام بذلك والنشاط من ذلك ، فيوجد القوة ، وهو ما يقول ، وهما أمران معروفان ، لذلك لا يجوز إلحاق الكذب بواحد منهما ، وعلى ما يقوله عنده إلحاق . والثاني إنه قال على الأمر المعتاد : إنه لو قام به لآتته القدرة ، ألا ترى أنه احتج بالقيام بحوائج غيره ، ومعلوم أن تلك القدرة قد زالت عنه ، واللّه الموفق .

--> ( 1 ) كلمة ساقطة في الأصل .