أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
200
التوحيد
وزعم أن الكافر مأمور به في حال كفره بالإيمان ، تأويله أن النهي تقدمه ، فيلزمه أن يقول : هو قادر عليه بقدرة تقدمت ، وزعم أنه ترك في الأول لقول المسلمين ، ووجّه إلى ما أمكن ، وفي الآخر لم يقل . نقول نحن وباللّه التوفيق : لا أحد من المسلمين إلا وعنده أن الكافر في حال كفره قوي على ما هو عليه ، فقل في القدرة مثل الذي قلت في الأمر ، إذ المعنى واحد في القول والتحصيل جميعا . ثم تأويله قول المسلمين على وجه يعلم كل مسلم أن ذلك لم يخطر بباله ، بل لا يحتمله عقل كل أحد لو ألزم يجهد أن يكون كافرا ليس بمنهيّ عن كفره ، وليس بمأمور في حاله ، فإذا لم يكن في وقته مأمورا منهيا لما هو فيه ولا لضدّه ، وهو كذلك في الوقت الثاني والثالث إلى ما لا نهاية له ، وفي ذلك بطلان الأمر والنهي على التحقيق ؛ لأنه يكون الأمر بالشيء للوقت الثاني والنهي عن ضده ، وهو في ذلك ليس بمؤتمر بالأمر ولا مرتكب النهي ؛ لأنه ليس ذلك ، وكذا في كل وقت ، فيبطل حق الأمر والنهي عن الفعل أبدا ، ويرجع إلى غير حال الائتمار والارتكاب ، وذلك بعيد . ثم ذكر سؤال خصمه من وجه لا يحتمل خصمه قوله ، فقال : إذ أثبتم لأنفسكم القدرة فقد أشبهتم اللّه به ، فقال : لا يجب ذا ؛ لما قدرت به ، وهو لا بغيره ، كما يقال في العلم . قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : لو قدرت باللّه لم يجز أن تزول بقدرتك قدرة اللّه ، كما إذ علمت به لم يزل بعلمك علم اللّه به . وبعد ، فإن السؤال من وجهين : أحدهما الانفراد بالقدرة ، وبه احتججت في نقض قول الثنوية ، فيلزمك في هذا ، والثاني أن ذلك يوجب الغنى عن اللّه في الفعل قبل وجوده ، ولا يجوز أن يكون اللّه يغني أحدا عن نفسه . فإن قلت : يحتاج إليه في الإبقاء ، أحلت عندك ؛ لأنها لا تحتمل ، وإن قلت : يحدث أخرى ، فقد أغناه عنه في وقت ، ولو جاز ذلك في الوقت - مع قيام العبودة - يجوز أبدا ، ولا قوة إلّا باللّه . والأصل أن القدرة محال كونها لا للفعل ، وكذلك العجز لا عن فعل ، ثم قد يجوز أن يكون قادرا في وقت للفعل ، يعجز في الوقت الثاني ؛ إذ معلوم وجود مثله ، فيكون اللّه تعالى معطيا القوة لشيء يستحيل كونه ، وفي ذلك فساد كون القوة للفعل ، فألزم ما أوجبه العقل إنها لا تكون إلا للفعل إحالة القول بالتقدم ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم عارض نفسه بأمر فرعون إنه لو كان يقدر على الإيمان لكان يقدر على إبطال علم اللّه ، وهذا في فرعون وكل من في علم اللّه أنه لا يؤمن . فأجاب بأن ذا لا يجب لأن القدرة غير الإيمان الذي هو المعلوم أنه لا يكون ، ولو لزمنا ذلك في القوة ليلزمكم في الأمر . ثم عارض بقدرة اللّه على إنشاء العالم ليحال من غير أن يجوز الوصف بالقدرة على إبطال علمه ، فمثله الأول . ثم عارض حسينا بالإطلاق أنه أطلق