أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
198
التوحيد
بصرف الاختيار إلى غير ما يفعل بها ، فبالتّضييع عدم هذه القدرة ، والأخرى بالمنع ؛ لذلك اختلفا . والثالث إجازة وجود الفعل في حال لا قدرة فيها ولا يجوز في حال لا سبب به يحدث القدرة ، ثبت أن أحد الوجهين ليس بنظير للآخر ، واللّه الموفق . ثم عارض بجواز الأمر بالخروج على أن يعطوا المال معه ، وزعم أنه إن أجاز أبطل قوله ، وإن لم يجز ترك قوله . فيجاب في هذا بالأوجه الثلاثة من التفريق بالمبلغ وغير المبلغ ، وبالأمر المعتاد ، وبما ينكر هو الفعل لوقت عدم الأسباب ولا ينكر لوقت عدم القوة ، ولما أحد الوجهين يعدم لا به والآخر لا . ولو كان يعلم أيضا حدوث الأملاك على التتابع بخبر الصادق لكان الجواب فيهما لا يختلف ، ولا قوة إلّا باللّه . مع ما في المعارضة إذا حققت إحالته ، وهو أن تصريف المال مع الملك له لا يحتمل ، كالحركة مع خلق اللّه الجسم ، لا حركة ضرورة ولا اختيار ، ونوع حركة الضرورة قد يكون مع العجز ومثله الاختيار مع القدرة ، على أن القدرة لو كانت بحيث لا يجامعها الفعل ليبطل أن يكون بها الفعل بل بعدمها يكون ، ولا قوة إلّا باللّه . ألا ترى أن الأموال والأسباب مع قيامها بفعل على بقائها توصف بقدمها وبحال إبقاء القدرة ، فمثل ذلك وصف التقدم ، واللّه أعلم . وفي المسألة سوى ما قدمنا ذكره من الأدلة أنه لو كان العجز المتقدم يمنع الفعل لوقت القدرة ليجب أن يكون القدرة المتقدمة توجب الفعل لوقت العجز ، وفي إحالة ذلك إحالة الأول ، ولو كان الفعل يقع لفقد القدرة لكان كلما دامت دام الفعل ؛ إذ أسباب الأشياء لما هي لها كلما دامت أوجبت دوامها ، وفي ذلك لزوم القول بالوجود معها . ثم زعم أن القدرة محال كونها مع الفعل ؛ لأن اللّه يراه موجودا ، ومحال كون القدرة مع الفعل الموجود . قيل : عنيت بالوجود الفراغ منه أو هو فيه ؟ فإن قال : الفراغ منه ، بان كذبه عند من يعقل ، وأبطل قوله : يجوز أن يكون في ذلك بالبدل وهو العجز معدوما ، ولم يجب القول بإحالة العجز مع المعدوم ، وإن كان يراه معدوما ، إذ لم يكن العدم متقضيا بل هو مشغول به . ثم يقال له : اللّه يواليه ويعاديه مع فعله أو قبله أو بعده ؟ فإن قال : قبله ، أحاله ، وإن قال : بعده ، أبطل قوله : يراه موجودا ؛ لأنه يحقق وجود فعل العداوة والولاية ، ولا عداوة ولا ولاية ، وإن قال : في حاله ، قيل : صار السبب مع المسبب موجودا ولم ينف كون الفعل معه ، وإن كان يرى الولاية والعداوة موجودتين فمثله القدرة . وأيضا أنه على أي حال يراه يرى القدرة معه ، على ما نرى إلقاء الشيء وإخراجه مع خروج ذلك وإلقائه ، ولم يبطل حق الإلقاء والإخراج بما يرى الشيء على ما يراه ،