أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
197
التوحيد
ولكن ذا عنده إنما قبح في الشاهد لأن ذلك يضره ويدخل عليه الألم ، وذلك لا يحتمل أمر الغائب ، واللّه الموفق . ثم قال : لأن ليس لمن حضر أن يمتحن ونحو ذلك ، فأنّى له هذا بعد تقدير فعل الغائب بالشاهد على تحقيق ما يجد فيه ؛ لأنه يقابل بجميع ما أنكر ، وادّعى الخروج من الحكمة أن ذلك في فعل من ذلك وصفه ، فأما اللّه سبحانه وحكمته فهو متعال عن وقوف عقل مثله على حقيقة ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . وقد بيّنا تأويل قوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] ، وبيّنا قبح قوله في إسقاط التكليف وقت الفعل وإبطال القدرة عليه ، فيصير في التحصيل هو المكلف على غير الوسع . على أنه يقال : كيف لو كان في علم اللّه أنه لا يفعل ، أو في علمه أنه يريد الفعل في الوقت الذي يتلوه ، ومن قولكم إن من أراد الفعل في الوقت الذي يتلوه إنه يفعله لا محالة ، إلا أن يمنع أن يفعله ، أيمنع أو يفعل ضده ؟ فإن قال : يفعل ضده أبطل قوله في كون الإرادة قبل الفعل وألزم نفسه الأمر معه والقدرة معه وبطل قولهم في الإرادة الموجبة ، وإن قال : يمنع ، فقد ألزم من في علم اللّه أنه لا يفعل التكليف بقوة تمنع عن الفعل ، وهو في التحقيق تكليف العاجز الممنوع ، وإن كان برفع الكلفة أبطل أن يكون أحد ممن في علم اللّه أنه لا يعطيه مما تضمنته المحنة ولزمه الأمر والنهي ، وذلك غاية ما ينتهي إليه القول في القبح . وعلى ذلك أمر الإرادة ، إن اللّه إذ يمنعه عن الفعل الذي في حكمه أنه لا يفعله لا بد أن يمنعه كالإرادة ، وفي ذلك منع عن الطاعة إذ يمنعه عن الفعل الذي في علمه أنه لا يفعله لا بد أن يمنعه بالإرادة ، وفي ذلك منع عن الطاعة عنده والخير . ثم يقال : المروي عن الذي روي أنه سل سيفه على رسول اللّه فمنعه اللّه بقبض يده ، أكان ذلك المنع أصلح له في الدين وأخير له أو الإطلاق ؟ فإن قال : الإطلاق ، فقد أقرّ بأن اللّه قد يفعل بعباده ما كان غيره أصلح في الدين ، وإن قال : المنع ، فقد أقر أن المنع قد يكون أصلح ، فكل عاص لم يمنع عنه لم يفعل به الأصلح ، ولا قوة إلّا باللّه . واحتجاجه بقوله : لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ [ التوبة : 42 ] قد بيّنا ما عليه في ذلك ، وما يظهر أن خصمه أشد لاتباع ذلك ومعرفته منه ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم عارض بما لا يحقق لهم العذر بالفقر إلا بما لا يتهيأ لهم الفعل ، وذلك المعنى في فقد القدرة موجود . قال الشيخ رحمه اللّه : جوابه من أوجه ثلاثة ، أحدها : أن الذي معه من المال لو لم يبلغه لم يعرض عليه وقوة فعل البلوغ لم تكن معه فلم يمنع الغرض ، فمثله أمر وجود الأمرين محال للحال وعدمهما . وأيضا أن الأمر المعتاد أن تحدث القوى تباعا على قدر ما يختاره العبد ويريد من الفعل ، فهي تحدث لا محالة ، إلا أنّ تضييعها هو