أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
191
التوحيد
عندهم قدرة يذكرونها مع الاعتذار في الأفعال لا في الجمل التي ترجع الأوهام إلى الأحوال ، ولا قوة إلّا باللّه . والنظر في ذلك أن القوة إذ ليست هي من أجزاء الجسم فهي عرض في الحقيقة ، والأعراض لا تبقى ؛ إذ لا يجوز بقاء ما يحتمل الفناء إلا ببقاء هو غيره ، والعرض لا يقبل الأغيار بما لا قيام له بذاته ، ومحال بقاء الشيء ببقاء في غيره ، فبطل البقاء . ثم فساد حقيقة الأفعال بأسباب متقدمة إذا لم تكن هي وقت الفعل ، فمثله قوة الفعل ، فيلزم القول بالكون مع الفعل ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن القوة إذ هي للأفعال ، وجائز حدوث العجز بعد الوصف بالقدرة ، فلو كانت القدرة للفعل بعدها لكانت لما هو عنه عاجز ، وذلك متناقض فاسد ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن القوى لو كانت لأحوال ترد لكان بها يستغني عن اللّه في جميع الأفعال قبل وجود الأفعال ، واللّه جل ثناؤه صيّر الخلق جميعا فقراء إليه وهو الغني الحميد ، لم يجز أن يقع لهم الغنى عنه بأحق ما لزمتنا الحاجة ، والأصل أنها إذ كانت لا تبقى تزول حاجة البقاء والفعل ليس بموجود فيصير غنيا عن اللّه قبل كونه ، وذلك قبيح في السمع ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن القوة ليست تعلم لذاتها ولا لها حد يعلم حقيقتها سوى ما جعل اللّه على حقيقة كونها من العقل ، والعقل ليس بموجود قبل كونه ، وبها وجوده ، ثبت أنه شهد لها وقت كونه لا قبله ، واللّه الموفق . وأيضا أنه لا يوجد قادر غير فاعل البتة ، كما لا يوجد عاجز فاعلا ، لم يجز القضاء بالقدرة ، ونفي الفعل ، كما لا يجوز العجز ووجوده ، إذ هما جميعا في الخروج عن الموجود واحد ، مع القول بالبعد عن ذلك من طريق العقل من حيث يضاد المعنى في الحقيقة ، وليس بالموت ونحوه معتبر ؛ لأن الموت عجز في الجملة ، وليست الحياة بقدرة في الجملة ، ولما يجوز وجود الحياة أوقاتا لا فعل معها ، ولا يجوز وجود قادر وقتين لا فعل له ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا إنا نجد الأسباب في الشاهد ، إذ كانت بحيث لا توجد دون ما هي له سبب أوقاتا يوجب كون الأشياء ، مع ما كان ذلك اختيارا أو اضطرارا من ذلك نحو الخروج مع الإخراج والزوال مع الإزالة والألم مع الضرب واللذة مع الملذ والتعب والعناء مع الفعل ، ثم الاختيار من ذلك نحو ولاية اللّه مع الإيمان وعداوته مع الكفر ، وكذلك القبول والرد ونحو ذلك . وعلى ذلك حق التسمية بالأشياء والحكم بها ، وإن كان اللّه تعالى موصوفا بالفعل في الأزل فإنه عند اقتران ذكره بغيره يذكر الوقت له ما لذلك الغير ، كما يقال : لم يزل عالما به كائنا وقت كونه وموجودا وقت وجوده ، ولا قوة إلّا باللّه .